وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36)
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ لَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ.
﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ لَمَّا كَانَ - سُبْحَانَهُ - غَنِيًّا، لَمْ يَقْبَلْ إِلَّا الْخَالِصَ.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أَيْ: أَحْسِنُوا إِلَيْهِمَا بِالْقَوْلِ الْكَرِيمِ وَالْخِطَابِ اللَّطِيفِ وَالْفِعْلِ الْجَمِيلِ.
رَكِّزْ عَلَى مُسَاعَدَةِ ذَوِي الْحَاجَةِ إِلَى جَانِبِ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
الْإِحْسَانُ عَمَلٌ إِنْسَانِيٌّ يَمْتَدُّ إِلَى الْآخَرِينَ.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ قَرَنَ اللَّهُ تَوْحِيدَهُ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣].
﴿وَبِذِي الْقُرْبَىٰ﴾ إِحْسَانًا، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ الْأَقَارِبِ، قَرُبُوا أَوْ بَعُدُوا، بِأَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.
﴿وَبِذِي الْقُرْبَىٰ﴾ لِتَأْكِيدِ حَقِّهِمْ بِمَزِيدِ قُرْبِهِمْ. مَزِيدُ حَثٍّ عَلَى التَّعَاطُفِ.
﴿وَالْيَتَامَىٰ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَدْ فَقَدُوا مَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ، وَمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالْحَنَانِ عَلَيْهِمْ.
﴿وَالْيَتَامَىٰ﴾ أَيْ: الَّذِينَ فَقَدُوا آبَاءَهُمْ وَهُمْ صِغَارٌ.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وَهُمُ الْمُحْتَاجُونَ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِمُسَاعَدَتِهِمْ بِمَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُمْ وَتَزُولُ بِهِ ضَرُورَتُهُمْ.
﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ يَعْنِي: الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ.
﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الْجَارُ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا قَرَابَةَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.
﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ، وَهُوَ جَارٌ، فَلَهُ حَقُّ الْجِوَارِ.
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ هُوَ رَفِيقُ الرَّجُلِ فِي سَفَرِهِ.
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُوَ جَلِيسُكَ فِي الْحَضَرِ، وَرَفِيقُكَ فِي السَّفَرِ.
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قِيلَ: الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ، وَقِيلَ: الزَّوْجَةُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَتَنَاوَلَ الْآيَةُ جَمِيعَ مَا فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَعَ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، وَهُوَ كُلُّ مَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَاحِبٌ بِالْجَنْبِ أَيْ بِجَنْبِكَ كَمَنْ يَقِفُ بِجَنْبِكَ فِي تَحْصِيلِ عِلْمٍ أَوْ تَعَلُّمِ صِنَاعَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةِ تِجَارَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هُوَ الْمُسَافِرُ الَّذِي يَجْتَازُ مَارًّا.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وَهُوَ: الْغَرِيبُ الَّذِي احْتَاجَ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ طَاعَةٌ عَظِيمَةٌ، آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ: الصَّلَاةُ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَصِيَّةٌ بِالْأَرِقَّاءِ، لِأَنَّ الرَّقِيقَ ضَعِيفُ الْحِيلَةِ أَسِيرٌ فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يُوصِي أُمَّتَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ يَقُولُ: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»، فَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا حَتَّى مَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ أَيْ: مُخْتَالًا فِي نَفْسِهِ، مُعْجَبًا مُتَكَبِّرًا، فَخُورًا عَلَى النَّاسِ، يَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُمْ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَقِيرٌ، وَعِنْدَ النَّاسِ مَبْغُوضٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ «الْمُخْتَالُ» الْمُتَكَبِّرُ بِالْفِعْلِ، وَ«الْفَخُورُ» الْمُتَكَبِّرُ بِالْقَوْلِ.
مُفْتَخِرٌ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ آلَائِهِ، وَبَسَطَ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَا يَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَتَاهُ مِنْ طَوْلِهِ، وَلَكِنَّهُ بِهِ مُخْتَالٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَعَلَى غَيْرِهِ بِهِ مُسْتَطِيلٌ مُفْتَخِرٌ.