يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47)
دَعْوَى الْإِيمَانِ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ دَعْوَى بَاطِلَةٌ لَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهَا.
تَوَعَّدَهُمْ عَلَى عَدَمِ الْإِيمَانِ.
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي صَرْفِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَرَدِّهِمْ إِلَى الْبَاطِلِ وَرُجُوعِهِمْ عَنِ الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ إِلَى سُبُلِ الضَّلَالَةِ يَهْرَعُونَ وَيَمْشُونَ الْقَهْقَرَى عَلَى أَدْبَارِهِمْ.
هَذَا مَثَلُ سُوءٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ وَمَنْعِهِمْ عَنِ الْهُدَى.
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَقُولُ: عَنْ صِرَاطِ الْحَقِّ، فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا، أَيْ: فِي الضَّلَالَةِ.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ هَذَا جَزَاءٌ مِنْ جِنْسِ مَا عَمِلُوا، كَمَا تَرَكُوا الْحَقَّ، وَآثَرُوا الْبَاطِلَ وَقَلَبُوا الْحَقَائِقَ، فَجَعَلُوا الْبَاطِلَ حَقًّا وَالْحَقَّ بَاطِلًا، جُوزُوا مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ بِطَمْسِ وُجُوهِهِمْ كَمَا طَمَسُوا الْحَقَّ.
طُمِسَتِ الْقُلُوبُ وَطُمِسَتِ الْوُجُوهُ فَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُمْ.
اتَّكَأَ عَلَى إِثَارَةِ الْخَوْفِ فِي النَّفْسِ مِنْ أَنْ تُشَوَّهَ الْوُجُوهُ أَوْ تُطْمَسَ، أَوْ أَنْ تَحُلَّ اللَّعْنَةُ بِأَصْحَابِهَا، كَمَا حَلَّتْ بِأَصْحَابِ السَّبْتِ.
قَالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فَنَمْنَعُهَا عَنِ الْحَقِّ.
احْتَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِتَحْصِيلِ الدُّنْيَا فَصَارُوا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ.
لِلتَّخَلُّصِ مِنْ هَذَا الْمَأْزِقِ هُوَ بِالْجُهْدِ لِلدِّينِ.
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي سَبْتِهِمْ بِالْحِيلَةِ عَلَى الِاصْطِيَادِ، وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ قِصَّتِهِمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أَيْ: إِذَا أَمَرَ بِأَمْرٍ، فَإِنَّهُ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانِعُ.