كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)
﴿كَلَّا﴾ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِالذُّنُوبِ الَّتِي اقْتَرَفُوهَا.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَلَّا﴾ أَيْ لَيْسَتْ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَيْ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا وَحَجَبَهَا عَنِ الْحَقِّ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قَالَ: طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَسَبُوا.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَيْ غَطَّى عَلَيْهَا فَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُبْصِرُونَ رُشْدًا.
كَسْبُهُمْ غَطَّى عَلَى قُلُوبِهِمْ وَحَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِيمَانِ.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَيْ غَطَّى عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَهُ مِنَ الْإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ.
الْقَلْبُ الَّذِي يَمْرُدُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يَنْطَمِسُ وَيَظْلَمُ.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يَرِينُ عَلَيْهِ غِطَاءٌ كَثِيفٌ يَحْجُبُ النُّورَ عَنْهُ وَيَحْجُبُهُ عَنِ النُّورِ، وَيَفْقِدُهُ الْحَسَاسِيَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَتَبَلَّدَ وَيَمُوتَ.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا وَلَا كَمَا قَالُوا.
رَانَ رَيْنُ الْغَفْلَةِ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا لَمْعَةٌ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا بِسَبَبِ ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنْ تَرْكِهِمْ لِجُهْدِ الْحَقِّ وَإِشَاعَتِهِمْ لِلْبَاطِلِ.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الْأَعْمَالِ الرَّدِيَّةِ.
كَلِمَةُ ﴿يَكْسِبُونَ﴾ تَعْنِي الِاسْتِرْسَالَ وَالِاسْتِمْرَارَ.
﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ غَطَّاهَا وَغَشَّاهَا، أَيْ أَنَّ قُلُوبَهُمْ قَدْ أَصْبَحَتْ فِي غُلْفٍ مِنْ ظُلُمَاتِ الْمَعَاصِي، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَنْفَذٌ لِلنُّورِ يَدْخُلُ إِلَيْهَا مِنْهُ.
الذُّنُوبُ تَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ الْحَقِّ.
﴿كَلَّا﴾ لَيْسَتْ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ، ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْحَقِّ.
الْكَافِرُونَ يَتَضَاعَفُ عَمَاهُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَتَّى يَبْطُلَ إِحْسَاسُهُمْ بِآلَامِ مَعَاصِيهِمْ، بَلْ صَارُوا يَلْتَذُّونَ بِالْآلَامِ، وَهَذَا غَايَةُ تَشْوِيهِ الْفِطْرَةِ.
الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ.
﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ شَقْوَتُهُمْ.
قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ حَتَّى يَعْمَى الْقَلْبُ فَيَمُوتَ.
بِمِقْدَارِ مَا يَأْتِي الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ يَهْدِيهِ اللَّهُ.
الَّذِي تَرَكَ جُهْدَ الدَّعْوَةِ وَالْهِدَايَةِ، وَلَمْ يَتَحَصَّلْ عَلَى نُورِ الْهِدَايَةِ، فَيَقَعُ فِي الْمَعَاصِي، فَيُصَوِّرُهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فَيُظْلِمَ قَلْبُهُ، ثُمَّ يَسْوَدَّ وَجْهُهُ، وَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ اللَّوْنِ.
طُمِسَتِ الْبَصَائِرُ، وَمَاتَتِ الضَّمَائِرُ، وَانْقَلَبَتِ الْحَقَائِقُ.
إِذَا فَقَدَ النُّورَ وَجَاءَتِ الظُّلْمَةُ فِي الْقَلْبِ يَصِيرُ هَذَا الْقَلْبُ أَعْمَى فَيَرَى الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، وَالْحَقَّ بَاطِلًا، وَالْبَاطِلَ حَقًّا.