هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)
مِنْ أَسْرَارِ تَصْدِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، التَّمْهِيدُ لِذِكْرِ قِصَّةِ خَلْقِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِلَا أَبٍ.
الْمَعْنَى: عَلَى أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ أَنْ يُصَوِّرَكُمْ صَوَّرَكُمْ.
مَعْنَى ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أَيْ: مِنَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَاللَّوْنِ، وَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافَاتِ.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ تَصْوِيرُ الْمَخْلُوقِ فِي مَنْطِقَةِ الْعَجْزِ الْبَشَرِيِّ الْمُعْتِمَةِ، يَوْمَ كَانَ يُصْنَعُ هُنَا فِي تَجَاوِيفِ الْأَرْحَامِ مُوشَّحًا بِالظَّلَامِ، مُضَرَّجًا بِخُيُوطِ الدِّمَاءِ، تَقْرِيرٌ مُثَخَّنٌ بِدَقَائِقِ الْمَعْرِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْعَمِيقَةِ، وَسِجِلٌّ يَكْتَنِزُ كُنْهَ الْقُدْرَةِ الْمُذْهِلَةِ لَا تَبْلُغُهَا الْعُقُولُ.
﴿كَيْفَ﴾ أَيْ: كَمَا ﴿يَشَاءُ﴾ أَيْ: عَلَى أَيِّ حَالَةٍ أَرَادَ.
فِي قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِسَبَبٍ وَبِغَيْرِ سَبَبٍ.
الْقُرْآنُ نَزَلَ لِلْهِدَايَةِ، فَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِنِيَّةِ الْهِدَايَةِ يُعْطِيهِ اللهُ نُورَ الْهِدَايَةِ وَيَفْهَمُ مُرَادَهُ.
﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ التَّصْوِيرُ فِي الْأَرْحَامِ قُدْرَةٌ تُنْبِئُ عَنْ عِزَّةٍ وَحِكْمَةٍ.
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تَقَدَّمَ الْعَزِيزُ عَلَى الْحَكِيمِ، لِأَنَّهُ عَزَّ، فَلَمَّا عَزَّ حَكَمَ.
﴿الْحَكِيمُ﴾: الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا، الْحَكِيمُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ تَدْبِيرَهُ خَلَلٌ وَلَا زَلَلٌ وَلَا نَقْصٌ، الْحَكِيمُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.