إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)
الْقِصَصُ لِتَرْبِيَةِ الْأُمَّةِ.
قِصَّةٌ اسْتُهِلَّ بِهَا التَّنْزِيلُ فِي الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ، فَلَقَدْ كَانَ وَرَاءَهَا أَلْفُ عِبْرَةٍ.
قِصَّةٌ فِيهَا جَفَافُ الشُّحِّ وَنَمَاءُ النَّفَقَةِ.
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ يَقْصِدُ قُرَيْشًا.. أَلْقَيْنَا قُرَيْشَ مَكَّةَ فِي الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا ﴿كَمَا بَلَوْنَا﴾ الْكَافَ تَشْبِيهًا.. الْمِيرَاثُ.. هَؤُلَاءِ وَرِثُوا، وَهَؤُلَاءِ وَرِثُوا.. قُرَيْشٌ وَرَثَةُ إِبْرَاهِيمَ هُمْ سَدَنَةُ الْبَيْتِ.. هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ.. اللهُ بَعَثَ فِيهِمْ نَبِيًّا يُذَكِّرُهُمْ بِالْمِيرَاثِ.. فَأَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْمِيرَاثِ الْحَقِيقِيِّ انْظُرُوا لِأَهْلِ الْمِيرَاثِ الْمَادِّيِّ مَاذَا حَلَّ بِهِمْ؟ احْذَرُوا أَنْ تُضَيِّعُوا هَذَا الْمِيرَاثَ.
ذَمَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ الْمَالَ خِفْيَةً، خَشْيَةَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ الْمَحَاوِيجُ وَذَوُو الْفَاقَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ.
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ كَانَ الْقَسْمُ بَدْءَ الْعَدَمِ لِجَنَّتِهِمْ.
الضَّمِيرُ فِي «بَلَوْنَاهُمْ» يَعُودُ إِلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، الَّذِينَ تَحَدَّثَتْ عَنْهُمُ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.
الِابْتِلَاءُ: الِاخْتِبَارُ، وَالِامْتِحَانُ.. بِالْخَيْرِ، وَبِالشَّرِّ.
مَنْ جَحَدَ حَقَّ اللهِ عَلَيْهِ عَاقَبَهُ فِي أَعَزِّ مَا يَمْلِكُهُ.
التَّعْبِيرُ بِالصُّحْبَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ دَلِيلٌ عَلَى مِلْكِيَّتِهِمْ لِجَنَّتِهِمْ، وَكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِمْ عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ مَوْضِعَ بَهْجَتِهِمْ وَسَعَادَتِهِمْ، يَغْدُونَ عَلَيْهَا وَيَرُوحُونَ، نَجَحَ وَالِدُهُمْ وَرَسَبُوا، فَالْقِصَّةُ تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ.
﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ نِيرَانُ النَّوَايَا الرَّدِيئَةِ الَّتِي عَصَفَتْ بِقُلُوبِهِمْ أَحْرَقَتْ جَنَّتَهُمْ.
﴿ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾ وَقْتُ الصَّبَاحِ.
﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أَيْ فِي أَوَّلِ مَطْلَعِ الصَّبَاحِ، وَعِنْدَ اسْتِقْبَالِهِمْ لَهُ.
«لَيَصْرِمُنَّهَا» بِمَعْنَى أَنَّهُمْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا كُلَّهَا، غَيْرَ تَارِكِينَ شَيْئًا مِنْ ثَمَرِهَا، وَذَلِكَ فِي مَطْلَعِ الصُّبْحِ.
الْإِحْسَانُ لِلْآخَرِينَ مِنْ أَسْبَابِ دَوَامِ النِّعَمِ، وَالْإِسَاءَةُ مِنْ أَسْبَابِ زَوَالِهَا وَحُلُولِ النِّقَمِ.
الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ وَتَقْدِيمُ الْمَنَافِعِ وَخَاصَّةً مَنْفَعَةُ الْهِدَايَةِ أَعْظَمُ الْأَعْمَالِ.
اللهُ يُبَارِكُ مَنْ جَعَلَ فِي مَالِهِ نَصِيبًا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
اللهُ لَمْ يُبَارِكْ فِي مَالِ أَصْحَابِ الْبُسْتَانِ.
أَحَبُّ صِفَةٍ إِلَى اللهِ هِيَ صِفَةُ الْعَطَاءِ.
هَذَا الِابْتِلَاءُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، هُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَيَاةِ فِي ظِلِّهِ، وَالْقَطْفِ مِنْ ثِمَارِهِ.. فَهُوَ الْجَنَّةُ الَّتِي تُؤْتِي ثِمَارَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَأَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوهَا بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ، وَنُفُوسٍ مُطْمَئِنَّةٍ لَكَانَ لَهُمْ مِنْهَا زَادٌ عَتِيدٌ لَا يَنْفَدُ أَبَدًا.. أَمَّا وَقَدْ جَاءُوهَا فِي تَلَصُّصٍ وَمُخَالَسَةٍ، وَفِي سِتَارٍ مِنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، يُرِيدُونَ أَنْ يُصْبِحَ النَّاسُ فَلَا يَرَوْنَ لِثَمَرِهَا أَثَرًا- فَقَدْ فَوَّتَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ مَا يُرِيدُونَ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ.
ابْتِلَاءُ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ، الَّذِينَ ابْتَلَى اللهُ سُبْحَانَهُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، كَمَا ابْتَلَاهُمْ- هُوَ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ تَدْبِيرٍ سَيِّءٍ، وَمَكْرٍ بِنِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَنِ انْتَزَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَقَتَلَهُمْ بِالسِّلَاحِ الَّذِي كَانُوا يُحَارِبُونَهُ بِهِ.