إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)
أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نَذْرِ امْرَأَةٍ أَثَّرَ فِي مَجْرَى التَّارِيخِ.
أَعْظَمُ مِثَالٍ لِتَضْحِيَةِ النِّسَاءِ.
امْرَأَةٌ قَلْبُهَا عَامِرٌ بِالإِيمَانِ.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ امْرَأَةُ عِمْرَانَ هِيَ حَنَّةُ بِنْتُ فَاقُوذَا وَهِيَ جَدَّةُ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ لَهَا أُخْتٌ اسْمُهَا إِيشَاعُ تَزَوَّجَهَا زَكَرِيَّا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهِيَ أُمُّ يَحْيَى.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ أُمُّ مَرْيَمَ، جَدَّةُ عِيسَى، هِيَ زَوْجَةٌ صَالِحَةٌ، وَأُمٌّ صِدِّيقَةٌ، وَجَدَّةُ نَبِيٍّ رَسُولٍ.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ أَيْ اذْكُرْ لَهُمْ وَقْتَ قَوْلِهَا، وَهِيَ حَامِلٌ.
رَأَتْ حَنَّةُ إِرْهَاصَاتِ النُّبُوَّةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَلُوحُ فِي سَمَاءِ البَيْتِ الإِيمَانِيِّ.
بَيْتٌ إِيمَانِيٌّ تَحُوطُهُ عِنَايَةٌ وَرِعَايَةٌ رَبَّانِيَّةٌ.
المَرْأَةُ تُهَيِّئُ أَوْلَادَهَا لِلتَّضْحِيَةِ.
كَلِمَةُ «نَذَرْتُ» مِنْ جُمْلَةِ مَعَانِيهَا أَنَّ امْرَأَةَ عِمْرَانَ سَيِّدَةٌ تَقِيَّةٌ وَوَرِعَةٌ، وَلَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً عَلَى النَّذْرِ، وَلَكِنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ خِدْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ وَعِبَادِ اللَّهِ.
مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّذْرَ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْطٍ.
مَعْنَى التَّعَبُّدِ بِالنَّذْرِ أَنْ تُلْزِمَ نَفْسَكَ بِعِبَادَةٍ مَا أَلْزَمَكَ اللَّهُ بِهَا.
مَدَحَ اللَّهُ هَذَا النَّوْعَ مِنَ النَّذْرِ... تَنْذُرُ نَفْسَكَ لِلَّهِ... نَذْرٌ يَحْيَا بِهِ الدِّينُ... وَفَّقَهَا اللَّهُ لِهَذَا النَّذْرِ.
المَعْنَى أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَجْعَلَ الوَلَدَ وَقْفًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
التَّعَبُّدُ بِالنَّذْرِ مَذْمُومٌ وَمَمْدُوحٌ...
النَّذْرُ المَمْدُوحُ الَّذِي يَكُونُ لِخِدْمَةِ الدِّينِ وَالقِيَامِ بِالجُهْدِ.
النَّذْرُ المَذْمُومُ الَّذِي لَا يُسْتَخْرَجُ إِلَّا مِنَ البَخِيلِ.
مَنْ نَذَرَ طَاعَةً، وَجَبَ عَلَيْهِ الوَفَاءُ بِنَذْرِهِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».
الوَفَاءُ بِنَذْرِ الطَّاعَةِ وَاجِبٌ.
قَالَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي «كِتَابِ أَحْكَامِ القُرْآنِ»: هَذَا النَّذْرُ صَحِيحٌ فِي شَرِيعَتِنَا، فَإِنَّهُ إِذَا نَذَرَ الإِنْسَانُ أَنْ يُنَشِّئَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ وَأَنْ يُعَلِّمَهُ القُرْآنَ وَالفِقْهَ وَعُلُومَ الدِّينِ صَحَّ النَّذْرُ.
النَّذْرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي شَرِيعَتِنَا؛ بِأَنْ يَنْذِرَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ لِخِدْمَةِ الدِّينِ قُرْبَةً لِلَّهِ وَنَفْعًا لِعِبَادِهِ.
﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ كَانُوا يُعِدُّونَ أَبْنَاءَهُمْ لِحَمْلِ هَمِّ هَذَا الدِّينِ قَبْلَ أَنْ يُولَدُوا، فَمَا عُذْرُ مَنْ لَمْ يَحْمِلْ هَمَّ دِينِهِ وَأُمَّتِهِ مِنْ مَهْدِهِ إِلَى لَحْدِهِ؟
هَمُّ صَلَاحِ الذُّرِّيَّةِ، وَاسْتِعْمَالُهُمْ فِي مَرَاضِي اللَّهِ يَسْبِقُ فِي قُلُوبِ الصَّالِحِينَ قُدُومَ أَوْلَادِهِمْ لِلدُّنْيَا.
هَذِهِ المَرْأَةُ اسْتَخْدَمَتْ فِكْرَهَا لِلدِّينِ.
مَرْيَمُ جَاءَتْ بِعَاطِفَةٍ وَرَغْبَةِ أُمٍّ رَاغِبَةٍ فِي خِدْمَةِ دِينِ اللَّهِ.
نَذَرَتْ مَا فِي بَطْنِهَا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، يَكُونُ خَالِصًا لِإِحْيَاءِ دِينِ اللَّهِ.
﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ لِبَيْتِ المَقْدِسِ: لَا أَشْغَلُهُ بِغَيْرِهِ.
اللَّهُ قَبِلَ نِيَّتَهَا (نِيَّةٌ عَالَمِيَّةٌ) خِدْمَةُ الدِّينِ لِقِيَامِ السَّاعَةِ.
لَوْ نَذَرَ أَحَدٌ أَنْ يَخْدُمَ مَسْجِدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِذَلِكَ مَعَ القُدْرَةِ.
فِي الآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ نَذْرِ الأُمِّ بِوَلَدِهَا.
فِيهَا جَوَازُ النَّذْرِ فِي الأَمْرِ المَجْهُولِ... مَا فِي بَطْنِهَا مُبْهَمٌ أَمْرُهُ.
فِيهَا جَوَازُ تَصَدُّقِ المَرْأَةِ بِدُونِ إِذْنِ زَوْجِهَا.
مَدَحَ اللَّهُ المُوفِينَ بِالنَّذْرِ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإِنْسَان: ٧].
كُلُّ مَنْ نَذَرَ نَفْسَهُ وَحَرَّرَهَا لِخِدْمَةِ مَوْلَاهُ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ نَذْرَهُ بِقَبُولٍ حَسَنٍ.
النَّذْرُ يُعَبِّرُ عَنْ عِشْقِ العَبْدِ لِتَكَالِيفِ اللَّهِ، فَيُلْزِمُ نَفْسَهُ بِالكَثِيرِ مِنْ بَعْضِهَا.
عَلَّمَنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ كَيْفَ يَنْذُرُ كُلُّ إِنْسَانٍ نَفْسَهُ كَامِلًا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾.
هَذِهِ الأُمَّةُ مَدِينَةٌ لِجَدَّةِ عِيسَى، لِأَنَّ ابْنَهَا سَيَنْزِلُ آخِرَ الزَّمَانِ وَيُصْبِحُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿مُحَرَّرًا﴾ أَيْ حَرَّرْتُهُ وَأَعْتَقْتُهُ مِنْ رِقِّ الدُّنْيَا وَمِنْ مُتَابَعَةِ هَوَاهُ وَمُرَادَاتِ نَفْسِهِ، وَجَعَلْتُهُ خَادِمًا لِعُبَّادِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
امْرَأَةٌ تَتَعَامَلُ مَعَ الحَيَاةِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ بِرُقِيٍّ... جَعَلَتْ مَا فِي بَطْنِهَا لِلَّهِ خَالِصًا، لَمْ تَطْلُبْ مِنْهُ الِاسْتِئنَاسَ بِهِ، وَلَا مَا يَطْمَعُ النَّاسُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ.
﴿مُحَرَّرًا﴾ مِنْ كُلِّ شُغْلٍ مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا، فَهُوَ مِنْ لَفْظِ الحُرِّيَّةِ.
﴿مُحَرَّرًا﴾ أَيْ لَا حُكْمَ لِأَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلَيْهِ.
﴿مُحَرَّرًا﴾ أَيْ جَعَلْتُهُ خَادِمًا يَخْدُمُ دِينَكَ.
﴿مُحَرَّرًا﴾ التَّحْرِيرُ هُنَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مُحَرَّرٌ مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا، لَا يَشْتَغِلُ إِلَّا فِي خِدْمَةِ دِينِكَ.
﴿مُحَرَّرًا﴾ كُلُّ وَقْتِهِ لِلَّهِ فِي خِدْمَةِ دِينِهِ، غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ.
﴿مُحَرَّرًا﴾ خَالِصًا لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
المُحَرَّرُ مَنْ لَا يَعْمَلُ لِلدُّنْيَا وَيَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الآخِرَةِ.
تَوَجَّهَتْ إِلَى رَبِّهَا بِأَنْ يَكُونَ هَذَا المَوْلُودُ مُحَرَّرًا مِنْ كُلِّ قَيْدٍ وَمِنْ كُلِّ حَقٍّ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالعُلَمَاءِ، إِلَّا وَمِنْ نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ.
الوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ إِذَا طَلَبَ وَلَدًا أَنْ يَطْلُبَ لِلوَجْهِ الَّذِي طَلَبَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ، حَيْثُ قَالَ زَكَرِيَّا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، وَقَبْلَ ذَلِكَ سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَبَّهُ فَقَالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، هَكَذَا الوَاجِبُ أَنْ يُطْلَبَ الوَلَدُ، لَا مَا يَطْلُبُونَ مِنَ الِاسْتِئنَاسِ وَالِاسْتِنْصَارِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِأَمْرِ المَعَاشِ بِهِمْ.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ دَعَتِ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنْ يَقْبَلَ مِنْهَا مَا نَذَرَتْهُ لَهُ.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ يَعْنِي تَقَبَّلْ مِنِّي هَذَا التَّقَرُّبَ إِلَيْكَ، بِنَذْرِ هَذَا الحَمْلِ الَّذِي نَذَرْتُهُ لِيَقُومَ بِخِدْمَةِ بَيْتِكَ وَدِينِكَ.
فِيهَا طَرْدُ الإِعْجَابِ بِالنَّفْسِ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: فَتَقَبَّلْ مِنِّي (العُثَيْمِين).
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أَيْ تَقَبَّلْ مِنِّي قُرْبَانِي، وَمَا جَعَلْتُ لَكَ خَالِصًا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لِنَذْرِي، العَلِيمُ بِقَصْدِي فِي التَّحْرِيرِ.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ لِمَا أَقُولُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِمَا أُرِيدُ.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لِدُعَائِي، ﴿العَلِيمُ﴾ بِإِخْلَاصِي، بِصِدْقِ نِيَّتِي.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لِسَائِرِ المَسْمُوعَاتِ فَتَسْمَعُ دُعَائِي ﴿العَلِيمُ﴾ بِمَا كَانَ وَيَكُونُ فَتَعْلَمُ نِيَّتِي.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أَيْ فَلَا يَسْمَعُ أَحَدٌ قَوْلِي مِثْلَ سَمْعِكَ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ نِيَّتِي مِثْلَ عِلْمِكَ وَلَا أَنَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا شَيْءٌ لَا يَصْلُحُ فَتَجَاوَزْ عَنْهُ.
رَفَعَ مَسْتَوَى الأُمَّةِ كُلِّهَا دُونَ اسْتِثْنَاءٍ.
كَلِمَاتٌ أَحَبَّهَا اللَّهُ وَمَجَّدَهَا مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ.
جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ نَمُوذَجًا يُحْتَذَى بِهِ.
امْرَأَةُ عِمْرَانَ نَذَرَتْ مَا فِي بَطْنِهَا لِخِدْمَةِ الدِّينِ فَامْتَدَّتْ لَهَا يَدُ القُدْرَةِ.