قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)
لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْوَعْدَ قَدْ أَثَارَ كَوَامِنَ يَعْقُوبَ، فَهُوَ ذَاتُهُ وَعْدُهُمْ لَهُ فِي يُوسُفَ!
قَالَ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾، وَعَزَمَ عَلَى إِرْسَالِهِ مَعَهُمْ.
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾، لِأَنَّهُمْ ضَمِنُوا لَهُ حِفْظَ يُوسُفَ فَأَضَاعُوهُ، فَلَمْ يَثِقْ بِهِمْ فِيمَا ضَمِنُوهُ.
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾... الْآيَةُ، مَعْنَاهَا: كَيْفَ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ وَقَدْ فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ مَا فَعَلْتُمْ؟
أَبَانَ أَلَمَهُ مِنْ فِرَاقِ بِنْيَامِينَ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِمَنْعِهِ مِنْ حَمْلِهِ لَمَّا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ.
﴿إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾، جُرْحُ يُوسُفَ لَا يَزَالُ حَيًّا يَنْبِضُ.
أَعْلَمَهُمْ بِقِلَّةِ طُمَأْنِينَتِهِ إِلَيْهِمْ.
لِكَلِمَاتِهِ وَقْعُ السِّيَاطِ عَلَى ظُهُورِهِمْ.
لَمَّا سَمِعَ الْإِخْوَةُ هَذَا الْجَوَابَ: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾، تَمَنَّوْا لَوْ لَمْ يَتَفَوَّهُوا بِكَلِمَةٍ، وَانْقَلَبُوا إِلَى رِحَالِهِمْ يَفْتَحُونَهَا.
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، هُوَ عَزَاءٌ لَهُ، يُعَزِّي بِهَا نَفْسَهُ فِي حُزْنِهِ عَلَى يُوسُفَ، وَذَلِكَ بِتَسْلِيمِ الْأَمْرِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ.
لَا أَثِقُ بِكُمْ وَلَا بِحِفْظِكُمْ، وَإِنَّمَا أُفَوِّضُ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾.
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، قَوْلٌ نَتَنَسَّمُ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ وَافَقَ عَلَى ذَهَابِ بِنْيَامِينَ مَعَهُمْ، وَأَنَّهُ يَدْعُو الْحَقَّ لِيَحْفَظَ ابْنَهُ.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، يَرْحَمُ ضَعْفِي وَكِبَرَ سِنِّي فَيَحْفَظُهُ وَيَرُدُّهُ عَلَيَّ وَلَا يَجْمَعُ عَلَيَّ مُصِيبَتَيْنِ.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فِيمَا يَرَى مِنْ حُزْنِي.