إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)
الْمَقْصُودُ هُنَا بِعَهْدِ اللَّهِ: عَهْدُ الْفِطْرَةِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.
يَنْكُثُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ بِالْأَيْمَانِ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: الْمُرَادُ بِمَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْقِيَامِ بِالْجُهْدِ.
لَمَّا أَعْطَى اللَّهُ الْعُلَمَاءَ الْعِلْمَ كَانَ إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهُمْ عَهْدًا.
إِذَا لَمْ يَقُمِ الْعُلَمَاءُ بِنَشْرِ عِلْمِهِمْ وَإِعْلَانِهِ بَيْنَ الْخَلْقِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ.
﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾: يَشْتَرُونَ بِالْيَمِينِ ثَمَنًا قَلِيلًا.
يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُدَاهَنَةً، أَوْ مُرَاعَاةً، أَوْ مِنْ أَجْلِ مَالٍ.
عَدَمُ الْقِيَامِ بِعَهْدِ اللَّهِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ.
الْمُرَادُ بِـ ﴿يَشْتَرُونَ﴾: يَسْتَبْدِلُونَ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: آيَةُ وَعِيدٍ لِمَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
كُلُّ أَحَدٍ يَأْخُذُ مِنْ وَعِيدِ الْآيَةِ عَلَى قَدْرِ جَرِيمَتِهِ.
جَحَدُوا وَخَالَفُوا لِمَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْ سَفَلَتِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا.
حُبُّ التَّرَؤُّسِ وَشَيْءٌ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا أَعْمَاهُمْ عَنِ الْمَقْصِدِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: حُبُّ الرِّيَاسَةِ أَعْمَى قُلُوبَهُمْ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ.
مَنْ بَلَغَ مِنْ رِقَّةِ الدِّيَانَةِ إِلَى حَدِّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِي الْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ. (ابْنُ عَاشُورَ)
﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: مَنْ شَابَهَهُمْ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ فَهُوَ لَاحِقٌ بِهِمْ.
أَمَامَ مَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ زَهِيدَةٍ اسْتَهَانُوا بِجُهْدِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيَا لَيْتَ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَوْهُ ثَمَنًا لَهُ قِيمَةٌ، لَكِنَّهُ ثَمَنٌ قَلِيلٌ!
كُلُّ مَنْ يَشْتَرِي بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ.
نَتِيجَةُ التَّكَسُّبِ الْغَيْرِ مَشْرُوعٍ بِالتَّنَقُّصِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ جَازَاهُمْ رَبُّهُمْ بِالْإِهْمَالِ وَعَدَمِ الرِّعَايَةِ ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾.
أَهْلُ الِاكْتِسَابِ يَسْتَمِيتُونَ فِي مُحَارَبَةِ أَهْلِ الِاحْتِسَابِ.
﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: اعْتَاضُوا بِالْقَلِيلِ الْفَانِي عَنِ النَّعِيمِ الْبَاقِي.
﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: أَيْ لَا نَصِيبَ لَهُمْ مِنْ نَعِيمِهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِبْدَالِ.
﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: إِشَارَةٌ إِلَى حِرْمَانِهِمْ عَنْ مَنَافِعِ الْآخِرَةِ.
﴿الْآخِرَةُ﴾ يَوْمُ التَّقْيِيمِ الصَّحِيحِ وَالنِّهَائِيِّ.
﴿الْآخِرَةُ﴾ لَيْسَتْ مَجَالًا لِلِاسْتِدْرَاكِ.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾: إِسْمَاعُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ أَوْلِيَاءَهُ كَلَامَهُ بِغَيْرِ سَفِيرٍ، خُصُوصِيَّةٌ يَخُصُّ بِهَا أَحِبَّاءَهُ.
﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾: لَيْسُوا أَهْلًا لِلرَّحْمَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْحَمُوا عِبَادَهُ.
﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: تَتِمُّ التَّزْكِيَةُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَحِبَّائِهِ فِي الْآخِرَةِ بِنَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: لَيْسُوا أَهْلًا لِلتَّزْكِيَةِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُزَكُّوا أَنْفُسَهُمْ بِالْجُهْدِ لِلدِّينِ.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: قَالَ الْبِقَاعِيُّ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يُزَكُّوا اسْمَهُ.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: لَا يُنَمِّي أَعْمَالَهُمْ.
دَلَّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ عِبَادَهُ الْمُتَّقِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: لِتَقْدِيمِهِمْ هَوَى أَنْفُسِهِمْ عَلَى رِضَا رَبِّهِمْ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لَا حُدُودَ لِأَلَمِهِ.