جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)
خُتِمَتِ السُّورَةُ بِوَعْدِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ بِجَنَّاتِ عَدْنٍ بِشَرْطِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْخَشْيَةِ.
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ عَدْنٌ: هِيَ مَدِينَةٌ فِي الْجَنَّةِ فِيهَا الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَأَئِمَّةُ الْهُدَى وَالنَّاسُ حَوْلَهُمْ وَالْجَنَانُ حَوْلَهَا.
قِيلَ: إِنَّ عَدْنًا أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ وَفِيهَا عَيْنُ التَّسْنِيمِ وَالْجَنَانُ حَوْلَهَا مُحْدِقَةٌ بِهَا، وَهِيَ مُغَطَّاةٌ مِنْ يَوْمِ خَلَقَهَا اللَّهُ حَتَّى يُنْزِلَهَا أَهْلُهَا: الْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِيهَا قُصُورُ الدَّرِّ وَالْيَوَاقِيتِ وَالذَّهَبِ، تَهُبُّ رِيحٌ طَيِّبَةٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ كُثْبَانُ الْمِسْكِ الْأَبْيَضِ.
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ قِيلَ: عَدَنَ دَارُ اللَّهِ الَّتِي لَمْ تَرَهَا عَيْنٌ وَلَا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَلَا يَسْكُنُهَا غَيْرَ ثَلَاثَةٍ: النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مُتَنَعِّمِينَ فِيهَا بِفُنُونِ النِّعَمِ.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ شَهِدَ اللَّهُ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ لَمَّا تَعِبُوا وَتَأَلَّمُوا فِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ، صَبَرُوا وَاجْتَهَدُوا وَثَبَتُوا حَتَّى فَازُوا بِشَهَادَةِ الرِّضْوَانِ.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ مَقَامُ رِضَاهُ عَنْهُمْ أَعْلَى مِمَّا أُوتُوا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فِيمَا مَنَحَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ الْعَمِيمِ.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ رَضِيَ أَعْمَالَهُمْ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أَيْ رَضُوا هُمْ بِثَوَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ حَسُنَ يَقِينُهُمْ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِ رَبِّهِمْ، فَهُمْ رَاضُونَ عَنْهُ.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ هُمْ رَاضُونَ عَنِ اللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ لِأَنَّهُ بَلَّغَهُمْ أَقْصَى أَمَانِيِّهِمْ.
قِيلَ: الرِّضَا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: رِضًا بِهِ وَرِضًا عَنْهُ، فَالرِّضَا بِهِ: رَبًّا وَمُدَبِّرًا، وَالرِّضَا عَنْهُ: فِيمَا يَقْضِي وَيُقَدِّرُ.
﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أَهْلُ خَشْيَتِهِ هُمُ الْعُلَمَاءُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ الْخَشْيَةُ مَلَاكُ السَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.
﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ الْخَشْيَةُ مَلَاكُ الْأَمْرِ وَالْبَاعِثُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ تَرَكَ اللَّهُ الْبَابَ مَفْتُوحًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.