يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)
هَذَا آخِرُ نِدَاءٍ فِي القُرْآنِ لِأَهْلِ الإِيمَانِ.
بَعدَما أَمَرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْبَةِ الكَامِلَةِ ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ ، أَمَرَ العِبَادَ عَامَّةً بِالتَّوْبَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التَّحْرِيم: 8].
التَّوْبَةُ النَّصُوحُ فَرْضٌ عَلَى الأَعْيَانِ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ وَكُلِّ الأَزْمَانِ.
هُنَاكَ قَالَ ﴿تَائِبَاتٍ﴾ [التَّحْرِيم: 5]، وَقَالَ أيْضَاً : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التَّحْرِيم: 4]، وَقَالَ هُنَا: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [التَّحْرِيم: 8]. كَمَا قَالَ هُنَاكَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ﴾ [التَّحْرِيم: 4]، قَالَ هُنَا: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ [التَّحْرِيم: 8].
قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ : اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ الْعُلَمَاءِ وَأَرْبَابِ الْقُلُوبِ فِي التَّوْبَةِ النَّصُوحِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ قَوْلًا ومنها قَول الْقُرَظِيُّ: يَجْمَعُهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ وَالْإِقْلَاعُ بِالْأَبْدَانِ وَإِضْمَارُ تَرْكِ الْعَوْدِ بِالْجَنَانِ وَمُهَاجَرَةُ سَيِّئِ الْإِخْوَانِ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ هِيَ التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ الجَازِمَةُ الَّتِي تَمْحُو مَا قَبْلَهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَتَلُمُّ شَعَثَ التَّائِبِ وَتَجْمَعُهُ، وَتَكُفُّهُ عَمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ الدَّنَاءَاتِ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: عَلَامَةُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ أَرْبَعَةٌ: القِلَّةُ، وَالعِلَّةُ، وَالذِّلَّةُ، وَالغُرْبَةُ.
قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ يَكُونَ الذَّنْبُ بَيْنَ عَيْنَيْ التَّائِبِ، فَلَا يَزَالُ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ.
﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ هِيَ الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ، وَقِيلَ: الخَالِصَةُ، يُقَالُ: نَصَحَ أَيْ أَخْلَصَ لَهُ القَوْلَ.
قَالَ سرِّيُّ السَّقَطِيُّ: لَا تَصْلُحُ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ إِلَّا بِنَصِيحَةِ النَّفْسِ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ مَنْ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ مِثْلَهُ.
التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: تَوْبَةٌ خَالِصَةٌ، يَصِيرُ بِهَا التَّائِبُ مِنَ العِبَادِ المُخْلَصِينَ، أَيِ الخُلَّصِ القَائِمِينَ بِجُهْدِ الدِّينِ.
التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تَدْعُو النَّاسَ إِلَى مِثْلِهَا.
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُشَمِّرُوا لَهُ وَتُبْدُوا الِاسْتِعْدَادَ لِخِدْمَةِ الدِّينِ.
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ.
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أَيِ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا مَعَهُ لِإِقَامَةِ الدِّينِ.
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قِيلَ: لَا يُخْزِيهِ فِي أُمَّتِهِ، وَلَا يَرُدُّ شَفَاعَتَهُ.
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ وَذَلِكَ بِتَشْفِيعِهِ فِي أُمَّتِهِ.
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قِيلَ: مِنَ الْخِزْيِ وَهُوَ النَّكَالُ وَالْفَضِيحَةُ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ يَذِلُّ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ دَخَلَهَا يُنَكَّلُ بِهِ وَيُفْضَحُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أَيْ: كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ وَعَدَهُمُ النُّورَ وَالْقُرْبَى مُجْتَمِعَيْنِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ هُوَ نُورُ الْإِيمَانِ يَكُونُ قُدَّامَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ يَمْشُونَ فِي ضَوْئِهِ.
فِي التَّفْسِيرِ: أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ الْجَبَلِ، وَلِآخَرَ عَلَى قَدْرِ ظُفْرِهِ يَنْطَفِئُ مَرَّةً وَيَتَّقِدُ أُخْرَى.
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ أَيْ عَلَى الصِّرَاطِ ﴿يَقُولُونَ﴾ إِذَا طَفِئَ نُورُ الْمُنَافِقِينَ ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَقِيلَ: تَتَفَاوَتُ أَنْوَارُهُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ.
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ عَلَى قَدْرِ جُهْدِكَ يَزِيدُ نُورُكَ.
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ يَقُودُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كُتُبُهُمْ هِيَ بُشْرَاهُمْ بِالْجَنَّةِ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ يَقُولُونَهُ حِينَ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ.
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ بِمُسَارَعَتِهِمْ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَتَقْدِيمِهِمْ إِيَّاهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: كُتُبُهُمْ، وَالْآخَرُ: نُورُهُمْ كَالْمَصَابِيحِ.
﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ لِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْحَقِّ عَلَى هَوَاهُمْ.
﴿ يَقُولُونَ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ بِإِدْخَالِ الْجَنَّةِ.
﴿أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ وَإِنْ كَانَ فِي أَعْمَالِنَا وَجُهْدِنَا نَقْصٌ.
﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ مَا بَدَا مِنَّا مِنْ تَقْصِيرٍ.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ وَفِي التَّفْسِيرِ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ حِينَ يَخْمُدُ وَيَنْطَفِئُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ إِشْفَاقًا عَلَى نُورِهِمْ.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ تَتَفَاوَتُ أَنْوَارُهُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ.
فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كُلُّ إِنْسَانٍ مَأْمُورٌ بِجِهَادِ أَعْدَائِهِ، مِنَ النَّفْسِ، وَالْهَوَى، وَالشَّيْطَانِ.