إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8)
يَظْهَرُ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ مُصِيبًا فِي تَخَوُّفِهِ عَلَى يُوسُفَ مِنْ إِخْوَتِهِ.
بَدَأَتْ قَضِيَّةُ يُوسُفَ بِغِيرَةٍ (بِحَسَدٍ).
لَا لَوْمَ عَلَى الوَالِدِ فِي تَفْضِيلِهِ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي المَحَبَّةِ.
﴿أَحَبُّ إِلَى﴾: كُلُّ مَشَاكِلِ يُوسُفَ كَانَتْ بِسَبَبِ المَحَبَّةِ.
صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ المَحَبَّةَ لَيْسَتْ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِ البَشَرِ.
"وَلَئِنْ كَانَ مُمَيَّزًا بِالحُبِّ؛ فَهَذَا لَا جَرِيرَةَ لِيُوسُفَ فِيهِ".
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾: أَيْ شَقِيقُهُ بِنْيَامِينُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ سَبَبَ زِيَادَةِ حُبِّ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ وَأَخِيهِ، صِغَرُهُمَا وَمَوْتُ أُمِّهِمَا.
﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾: مَحْضُ الحَسَدِ، وَالحَسَدُ مِنْ أُمَّهَاتِ الكَبَائِرِ.
الحَسَدُ سَبَبٌ لِلْخِذْلَانِ وَالنُّقْصَانِ.
الحَسَدُ دَاءٌ عَظِيمٌ، شَدِيدُ التَّمَكُّنِ فِي النُّفُوسِ.
آفَةُ الصَّالِحِينَ التَّحَاسُدُ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
﴿قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾: عِنْدَ إِخْوَةِ يُوسُفَ عَوَاطِفُ طَيِّبَةٌ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ قَادَهَا إِلَى فِعْلِ السُّوءِ.
﴿إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾: أَيْ يُحِبُّهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا يُحِبُّنَا.
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: مِمَّا شَاعَ وَيَشِيعُ عِنْدَ البَدْوِ، اعْتِزَازُهُمْ وَفَخْرُهُمْ بِالكَثْرَةِ.
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: قَالَ الزَّجَّاجُ: "العُصْبَةُ فِي اللُّغَةِ الجَمَاعَةُ الَّذِينَ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ، يُتَابِعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الفِعْلِ، وَيَتَعَصَّبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ".
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: قَالَ الفَرَّاءُ: "العُصْبَةُ عَشْرَةٌ فَمَا زَادَ".
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: "إِنَّ العُصْبَةَ مَا زَادَ عَلَى العَشَرَةِ".
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: لَمْ يُرِيدُوا ضَلَالَ الدِّينِ.
﴿لَفِي ضَلَالٍ﴾: أَيْ خَطَأٌ فِي الرَّأْيِ.
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: لَفِي خَطَأٍ بَيِّنٍ بِإِيثَارِهِ يُوسُفَ وَأَخَاهُ عَلَيْنَا.
يَقُولُونَ: "نَحْنُ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ هَذَا الطِّفْلِ الصَّغِيرِ".
عَمَى البَصَائِرِ يُمِيتُ الضَّمَائِرَ.
أَطْوَلُ النَّاسِ حُزْنًا مَنْ أَرَادَ تَأْخِيرَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ.
يُقَالُ: "أَطْوَلُ النَّاسِ حُزْنًا مَنْ لَاقَى النَّاسَ عَنْ مَرَارَةٍ، وَأَرَادَ تَأْخِيرَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ، أَوْ تَقْدِيمَ مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ؛ فَإِخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي أَسْفَلِ الجُبِّ فَرَفَعَهُ اللَّهُ فَوْقَ سَرِيرِ المُلْكِ!".