وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)
﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، أَتَوْا بِدَمٍ كَذِبٍ فَوْقَ قَمِيصِهِ.
﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، جَاءُوا بِبَيِّنَةٍ كَاذِبَةٍ.
﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، لَطَّخُوا قَمِيصَهُ بِدَمِ سَخْلَةٍ، أَيْ: دَمٌ مَكْذُوبٌ فِيهِ.
قِصَّةُ يُوسُفَ كُلُّهَا فِي قَمِيصِهِ.
مَشَاكِلُ الأُمَّةِ كُلُّهَا مَعَ اللِّبَاسِ ﴿قَمِيصِهِ﴾.
﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ﴾، يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكَ أَنَّ نَزْعَ القَمِيصِ نَزْعُ المَبْدَإِ.
القَمِيصُ رَمْزٌ، لِأَنَّ أَصْلَ القَمِيصِ أُنْزِلَ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ﴾، (القَمِيصُ بَرَكَةٌ)، كَيْفَ تُحَلُّ مَشَاكِلُ كَبِيرَةٌ بِأَشْيَاءِ صَغِيرَةٍ؟
اللهُ بِبَرَكَةِ القَمِيصِ أَظْهَرَ كَذِبَهُمْ.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾، عَلِمَ أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَمَا قَالُوا.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾، أَيْ زَيَّنَتْ وَسَهَّلَتْ ﴿أَمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ مُنْكَرًا لَا يُوصَفُ.
أَدْرَكَ يَعْقُوبُ مِنْ نِدَاءِ قَلْبِهِ، أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ، وَأَنَّهُمْ دَبَّرُوا لَهُ مَكِيدَةً مَا.
لاَحَظَ وَالِدُهُمْ سَلَامَةَ القَمِيصِ مِنَ التَّمْزِيقِ..!
وَاجَهَهُمْ بِأَنَّ نُفُوسَهُمْ قَدْ حَسَّنَتْ لَهُمْ أَمْرًا مُنْكَرًا وَذَلَّلَتْهُ، وَيَسَّرَتْ لَهُمْ ارْتِكَابَهُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: كَذَبْتُمْ، لَوْ كَانَ الذِّئْبُ أَكَلَهُ لَخَرَقَ القَمِيصَ.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾، التَّسْوِيلُ تَزْيِينُ النَّفْسِ لِلْمَرْءِ مَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ، وَتَصْوِيرُ القَبِيحِ بِصُورَةِ الحَسَنِ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، يَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّ مِنْ أَدَبِ الدِّينِ حُسْنَ الصَّبْرِ، وَتَرْكَ الشَّكْوَىٰ.
الصَّبْرُ صِفَةٌ جَعَلَهَا الخَالِقُ سُبْحَانَهُ فِي الإِنْسَانِ لِامْتِصَاصِ الصَّدَمَاتِ، وَتَخْفِيفِ الآلَامِ، وَتَحَمُّلِ الشَّدَائِدِ وَالصِّعَابِ.
ثَلَاثٌ مِنَ الصَّبْرِ: أَلَّا تُحَدِّثَ بِوَجَعِكَ، وَلَا بِمُصِيبَتِكَ، وَلَا تُزَكِّيَ نَفْسَكَ.
مِنْ صِفَاتِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصَّبْرُ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، قَضَاءُ اللهِ تَعَالَىٰ لَا يُوَاجَهُ بِغَيْرِ التَّسْلِيمِ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، مِنِّي، وَهُوَ الَّذِي لَا شَكْوَىٰ مَعَهُ لِلْخَلْقِ.
مَلَأَ الحُزْنُ قَلْبَ وَالِدِهِ.
الصَّبْرُ الجَمِيلُ هُوَ مَا لَا شَكْوَىٰ فِيهِ إِلَىٰ الخَلْقِ وَلَا جَزَعَ، رِضًى بِقَضَاءِ اللهِ وَوُقُوفًا مَعَ مُقْتَضَىٰ العُبُودِيَّةِ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، أَيْ: سَوْفَ أَصْبِرُ عَلَىٰ تِلْكَ المُصِيبَةِ الَّتِي لَفَّقْتُمُوهَا، صَبْرًا لَا أَشْكُو فِيهِ إِلَىٰ أَحَدٍ.
القَمِيصُ الأَوَّلُ (قَمِيصُ البَلَاءِ) يُعَلِّمُ الأُمَّةَ الصَّبْرَ الجَمِيلَ.
مَقَامَاتُ الأَنْبِيَاءِ حِينَ تَقَعُ بِهِمُ المَصَائِبُ: (صَبْرٌ جَمِيلٌ).
﴿وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، اعْتِرَافٌ بِأَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالصَّبْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللهِ تَعَالَىٰ.
تَلَأْلَأَ فِي قَلْبِ يَعْقُوبَ أَنْوَارُ النُّبُوَّةِ، فَحَجَزَتْهُ عَنِ التَّفَجُّعِ وَإِظْهَارِ الحُزْنِ.
تَجَلَّدَ يَعْقُوبُ وَاسْتَقْبَلَهَا بِصَمْتٍ، وَجَعَلَ الأَلَمَ يَلْوِيهِ وَيَعْتَصِرُهُ وَيُمَزِّقُ فُؤَادَهُ.
﴿وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، لَا يَشْتَكُونَ إِلَىٰ أَحَدٍ، وَيَسْتَعِينُونَ بِاللهِ.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، يَسْتَعِينُونَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ فِي حَمْلِ آلَامِهِمْ وَتَجَمُّعِ مَرَارَتِهَا.
أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً: الأَنْبِيَاءُ... أَشَدُّ النَّاسِ عُلُوًّا فِي تَحَمُّلِ البَلَاءِ، وَأَرْفَعُهُمْ قَدْرًا فِي الِالْتِجَاءِ إِلَىٰ اللَّهِ: الأَنْبِيَاءُ.
مَنْ طَلَبَ مُرَادَهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، بَعُدَ عَنْهُ.
سَيِّدُنَا يَعْقُوبُ لَمْ يُعَاتِبْ أَبْنَاءَهُ طِيلَةَ حَيَاتِهِ.
الدَّاعِي يَصْبِرُ، وَلَا يُعَاتِبُ، وَلَا يَشْتَكِي.
فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾، اعْتِرَافٌ بِأَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالصَّبْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعَالَىٰ.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾، أَيْ: المَطْلُوبُ مِنْهُ العَوْنُ.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾، هُوَ المُسْتَعَانُ، لَا مُسْتَعَانَ لِي غَيْرُهُ.
الِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ هِيَ مَطْلَبُهُ وَمَغْنَمُهُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ.
﴿عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، أَيْ: عَلَىٰ مَا تَذْكُرُونَ مِنَ الْكَذِبِ.
كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَالِمًا بِأَنَّ مَا وَقَعَ لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ابْتَلَىٰ اللَّهُ يَعْقُوبَ فِي كِبَرِهِ، وَيُوسُفَ فِي صِغَرِهِ، لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَزْمُهُمَا.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾، لَمْ يَقُلْ "عَلَىٰ مَا تَكْذِبُونَ"… وَهَذَا مِنْ أَدَبِ النُّبُوَّةِ.
الدَّعْوَةُ أَنْ تَتَوَصَّلَ إِلَىٰ المَعْنَىٰ بِأَلْطَفِ كَلَامٍ وَأَحْسَنِهِ.
حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَبَلَاءٌ مُبِينٌ، وَامْتِحَانٌ عَظِيمٌ.
عَلَىٰ قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ، تَأْتِي البَلَايَا وَالمِحَنُ.