فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ قَدْ غَمَرَتْهُمُ السَّعَادَةُ، وَشَمِلَتْهُمُ الْفَرْحَةُ، بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلِهِ.
﴿آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الْمُرَادُ بِالْفَضْلِ هُنَا: مَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ عَلَى بَالِهِمْ.
قَالَ أَبُو حَيَّانَ: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ ﴿فَرِحِينَ﴾ وَبَيْنَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٧٦] فِي قِصَّةِ قَارُونَ؛ لِأَنَّ ذَاكَ بِالْمَلَاذِّ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَهَذَا بِالْمَلَاذِّ الْأُخْرَوِيَّةِ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وَجَاءَ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ: ٢٦].
حَازُوا شَرَفَ الْفَوْزِ بِالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ بِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فَارَقُوهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْرِهِمْ، لِمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضْلِ وَالنَّعِيمِ الَّذِي أُعْطُوهُ.
جَمَعَ اللَّهُ لَهُمْ بَيْنَ الْمَسَرَّةِ بِأَنْفُسِهِمْ وَالْمَسَرَّةِ بِمَنْ بَقِيَ مِنْ إِخْوَانِهِمْ لِنُصْرَةِ الدِّينِ.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُسَرُّونَ وَيَفْرَحُونَ ﴿بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهُمْ أَحْيَاءً فِي الدُّنْيَا عَلَى جُهْدِ الْإِيمَانِ.
أَيْ: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ مِنْ حُسْنِ حَالِ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهُمْ وَهُمْ عَلَى الْجُهْدِ.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أَيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فِي الْفَضْلِ، إِلَّا أَنَّ لَهُمْ فَضْلًا عَظِيمًا بِتَصْدِيقِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَجُهْدِهِمْ.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الْمَعْنَى: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ مِنْ حَالِ مَنْ تَرَكُوا خَلْفَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ آمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَهُمْ مُسْتَبْشِرُونَ بِهِ.
قِيلَ إِنَّ الشُّهَدَاءَ يَقُولُونَ: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا أُصِيبُوا مِثْلَ مَا أَصَابَنَا؛ فَيَصِلُونَ إِلَى مَا وَصَلْنَا.
بُشِّرُوا بِالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالْكَرَامَةِ السَّنِيَّةِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَفْرَحُونَ بِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ بَقُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ بَعْدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يَسْتَشْهِدُوا مِثْلَهُمْ؛ فَيَنَالُوا مِثْلَ مَا نَالُوا مِنَ الشَّهَادَةِ.
فِي ذِكْرِ حَالِ الشُّهَدَاءِ وَاسْتِبْشَارِهِمْ بِمَنْ خَلْفَهُمْ بَعْثٌ لِلْبَاقِينَ بَعْدَهُمْ عَلَى بَذْلِ الْجُهْدِ وَالِازْدِيَادِ مِنَ الطَّاعَةِ.
الْقِتَالُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
يَغْتَبِطُ وَلِيُّ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ غِبْطَةً لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ.
﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فِيمَا يَسْتَقْبَلُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ عَلَى مَا مَضَى مِنْ أَمْرِهِمْ.