إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)
الخِطَابُ لِفَرِيقَيِ الخَارِجِينَ وَالمُتَخَلِّفِينَ.
المُثَبِّطُ هُوَ الشَّيْطَانُ.
﴿الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أَيْ: يُعَظِّمُهُمْ فِي صُدُورِكُمْ حَتَّى تَخَافُوهُمْ، وَتَتْرُكُوا الجِهَادَ، وَتَتْرُكُوا الدَّعْوَةَ؛ لِأَنَّكُمْ تَخَافُونَ مِنْهُمْ بِسَبَبِ تَخْوِيفِ الشَّيْطَانِ.
﴿الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ القَاعِدِينَ عَنِ الخُرُوجِ لِقِيَامِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ فِي الأَرْضِ.
﴿الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ كَأَنَّ المَعْنَى: يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ، وَيُؤْثِرُونَ أَمْرَهُ، وَيَعْصُونَ رَبَّهُمْ.
أَوْلِيَاؤُهُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ فِكْرَتَهُ.
﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ أَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ كُلُّ مُجْرِمٍ وَفَاسِقٍ وَمُلْحِدٍ وَكَافِرٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾، أَيْ: إِنَّمَا يَخَافُ المُنَافِقُونَ، وَمَنْ لَا حَقِيقَةَ لِإِيمَانِهِ.
المُخَوِّفُ كَيْدُهُ ضَعِيفٌ، وَأَمْرُهُ هَيِّنٌ سَخِيفٌ.
قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يُخَوِّفُ المُنَافِقِينَ الفَقْرَ حَتَّى لَا يُنْفِقُوا لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ خَوْفًا.
يُحَاوِلُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَجْعَلَ أَوْلِيَاءَهُ مَصْدَرَ خَوْفٍ وَرُعْبٍ، وَأَنْ يَخْلَعَ عَلَيْهِمْ سِمَةَ القُوَّةِ وَالهَيْبَةِ.
الشَّيْطَانُ هُوَ الَّذِي يُضَخِّمُ مِنْ شَأْنِ أَوْلِيَائِهِ، وَيُلْبِسُهُمْ لِبَاسَ القُوَّةِ وَالقُدْرَةِ، وَأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ النَّفْعَ وَالضُّرَّ.
الشَّيْطَانُ صَاحِبُ مَصْلَحَةٍ فِي انْتِفَاشِ البَاطِلِ.
أَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ فِي الأَرْضِ يَقْلِبُونَ المَعْرُوفَ مُنْكَرًا، وَالمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، وَيَنْشُرُونَ الفَسَادَ وَالبَاطِلَ، وَيُخْفِتُونَ صَوْتَ الحَقِّ.
الشَّيْطَانُ مَاكِرٌ خَادِعٌ غَادِرٌ، يَخْتَفِي وَرَاءَ أَوْلِيَائِهِ.
لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَهْزِمَ الشَّيْطَانَ إِلَّا بِإِقَامَةِ الآخَرِينَ وَإِشْغَالِهِمْ فِي العَمَلِ لِلدِّينِ، وَتَعْلِيمِهِمْ هَذَا العَمَلَ.
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ أَيْ: لَا يُؤَثِّرُ فِيكُمْ تَخْوِيفُهُ فَتَخَافُونَ مِنْهُمْ ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لَا تَخَافُوهُمْ فَيُؤَثِّرُ عَلَيْكُمْ هَذَا بِتَرْكِ الجُهْدِ ﴿وَخَافُونِ﴾ فَلَا تَتَأَثَّرُوا بِهِمْ وَجَاهِدُوا وَلَا يَهُمَّنَّكُمْ.
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ الخَارِجُونَ لَمْ يَخَافُوا إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى.
﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الإِيمَانُ يَقْتَضِي أَنْ يُؤْثِرَ العَبْدُ خَوْفَ اللَّهِ عَلَى خَوْفِ غَيْرِهِ.
القُوَّةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي تُخْشَى وَتُخَافُ هِيَ القُوَّةُ الَّتِي تَمْلِكُ النَّفْعَ وَالضَّرَّ... هِيَ قُوَّةُ اللَّهِ.
خَوْفُ الرَّبِّ وَالتَّوَاضُعُ لَهُ يَنْفِي كُلَّ خَوْفٍ لِسِوَاهُ.
اللَّهُ فِي القُرْآنِ يَأْمُرُ بِالحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ، وَيَنْهَى عَنِ الخَوْفِ مِنْهُ.
لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ قَالَ : ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾، وَلَمَّا ذَكَرَ الكَافِرِينَ قَالَ : ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ لِأَنَّ المُنَافِقَ قَرِيبٌ مُلَازِمٌ فَيَجِبُ مَعَهُ الحَذَرُ الدَّائِمُ.
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ أَيْ: فَلَا تَخَافُوهُمْ فَتَقْعُدُوا عَنِ القِتَالِ وَتَجْبُنُوا ﴿وَخَافُونِ﴾ فَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وَسَارِعُوا إِلَى مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي أَنَّ الإِيمَانَ يَقْتَضِي أَنْ تُؤْثِرُوا خَوْفَ اللَّهِ عَلَى خَوْفِ النَّاسِ.
عَلَى قَدْرِ إِيمَانِ العَبْدِ يَكُونُ خَوْفُهُ مِنَ اللَّهِ.
كُلَّمَا قَوِيَ إِيمَانُ الإِنْسَانِ بِاللَّهِ قَوِيَ خَوْفُهُ مِنْهُ.
فِي كِتَابِ «القَصْدِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» لِلْمُحَاسِبِيِّ قَالَ: وَكُلَّمَا عَظُمَتْ هَيْبَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي صُدُورِ الأَوْلِيَاءِ، لَمْ يَهَابُوا مَعَهُ غَيْرَهُ حَيَاءً مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَخَافُوا مَعَهُ سِوَاهُ.