إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (20)
﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾: حَدَّثُوا بَعْضَهُمُ الْبَعْضَ بِحَدِيثٍ، فَقَالَوا: لَا يَخْلُو أَمْرُكُمْ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا إِرْجَاعُكُمْ إِلَى دِينِهِمْ أَوْ قَتْلِكُمْ.
﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾: أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْعُذْرَ بِالْإِكْرَاهِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ مَنْطِقُ اَلطُّغَاةِ وَاحِدٌ ... لَايَعْرِفُونَ إِلَّا لُغَة البَطْش .
لَا يُرِيدُونَ أَنْ يُكْتَشَفَ أَمْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَحْتَفِظُوا بِإِيمَانِهِمْ.
اَلصِّرَاعُ اَلدَّائِرُ بَيْنَ أَصْحَابِ اَلْكَهْفِ وَقَومَهُمْ اِشْتَدَّ وَبَلَغَ مُنْتَهَاهُ ، اَلْأَمْرُ اَلَّذِي حَكَاهُ عَنْهُمْ اَلْقُرْآنُ قَائِلاً ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ ﴾
اَلْفِتْيَةُ إِذَا بَقُوا فَإِنَّهُمْ سَيُوَاجِهُونَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ :
إِمَّا أَنْ يَرْجُمُوهُمْ عَلَناً أَمَامَ اَلنَّاسِ ، وَيُقْتَلُونَ عَلَى رُؤُوسِ اَلْأَشْهَادِ ، وَفِي هَذِهِ اَلْحَالَةِ يَنْتَهِي مَوْكِب اَلْإِيمَانِ مِنْ هَذِهِ اَلْبَلْدَةِ .
وَإِمَّا أَنْ يُجْبِرُوهُمْ عَلَانِيَةً عَلَى أَنْ يَعُودُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ إِيمَانَهُمْ سَيَقْتَدُونَ بِهِمْ، وَيَرْتَدُّونَ عَنِ الْإِيمَانِ كَمَا ارْتَدَّوْا هُمْ، وَتِلْكَ فِتْنَةٌ، وَبِذَلِكَ يَتَوَقَّفُ مَوْكِبُ الْإِيمَانِ فَتْرَةً. فَالْأَسَاسُ وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُ مَوْكِبِ الْإِيمَانِ بِالْمُوَاجَهَةِ، أَوْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْوَى ثُمَّ يَعُودُ.
هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ وَجَدُوا أَنَّ بَقَاءَهُمْ فِي الْمُجْتَمَعِ الْكَافِرِ سَيُعَرِّضُهُمْ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يُقْتَلُوا وَيُحْرَمُ اَلْمَنْهَجُ اَلْإِيمَانِيُّ مِمَّنْ يَدْعُو إِلَيْهِ ، وَفِي هَذِهِ اَلْحَالَةِ قَتْلَهُمْ لَا يُفِيدُ اَلْمَنْهَجُ ؛ لِأَنَّ اَلْمَنْهَجَ مُحْتَاجٌ لِمَوْكِبِ إِيمَانِي يَتَحَرَّكُ بِهِ .
وَإِمَّا أَنْ يُكْرَهُوا عَلَى الْكُفْرِ فَيُصْبِحُوا فِتْنَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا وَدُعَاةً إِلَى الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ، فَيُحْرَمُ الْمَنْهَجُ الْإِيمَانِيُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ حَامِلِيهِ وَمُؤْمِنِيهِ وَدَاعِيهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَفِرُّوا بِدِينِهِمْ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ لِيَعُودُوا مَرَّةً أُخْرَى أَقْوَى.
اَلْكُفَّارُ لِعَجْزِهِمْ عَنْ اَلْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ وَالْإِقْنَاعِ يَلْجَأونَ إِلَى اَلْقُوَّةِ وَالْعُنْفِ .
﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: الْإِرْجَاعُ إِلَى مِلَّةِ أُولَئِكَ الْكَفَرَةِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْه انْتِفَاءُ الْفَلَاحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
﴿ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴾ أَيْ إِنْ رَجَعْتُمْ إِلَى دِينِهِمْ ، لَنْ تَسْعَدُوا فِي اَلدُّنْيَا ، وَلَا فِي اَلْآخِرَةِ .
يَقِينٌ عَلَى أَنَّ اَلْفَلَاح فِي هَذِهِ اَلْكَلِمَةِ اَلطَّيِّبَةِ لا إلهَ إلاَّ اللَّه .
مِنْ لُطْفِ اللهِ بِالْفِتْيَةِ أَنَّهُمْ تَشَاوَرُوا، وَهُدُوا إِلَى الْهَرَبِ وَالْفِرَارِ مِنْ بِيئَاتِ الْأَحْوَالِ الْمُخَالِفَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ كُلِّ مُسْلِمٍ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ.
نَهْتَمُّ بِهَذَا اَلْعَمَلِ وَنَحْرِصُ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ حِرْصِنَا عَلَى بَنَاتِنَا اَلْأَبْكَارُ .
أَصْحَابُ اَلْكَهْفِ كَانَ عِنْدَهُمْ هَذَا اَلْفَهْمِ وَعَرَفُوا أَهَمِّيَّةَ اَلْحِكْمَةِ .
لِمَاذَا اَلْحِكْمَةُ ؟ حَتَّى لَا يَظْهَرُ جُهْدَهُمْ لِلْأَعْدَاءِ إِذَا لَاحَظُوا جُهْدَهُمْ سَيَمْنَعُونَهُمْ مِنْ اَلْقِيَامِ بِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا فَقَطْ لَنْ يَقِفُوا عِنْدَ هَذَا اَلْحَدِّ بَلْ سَيَسْعَوْنَ لِلْجُهْدِ عَلَيْهِمْ لِيَنْتَزِعُوا إِيمَانَهُمْ أَوْ يُعِيدُوهُمْ فِي مِلَّتِهِمْ.
يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ اَلرَّجْم إِذَا مَاحَافَظُوا عَلَى دِينِهِمْ ، وَلَا يُنْجِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَرْتَدُّوا عَنْهُ فَيَرْضَوْا بِتَدْمِيرِ عَاقِبَتِهِمْ وَمَصِيرِهِمْ لِلْأَبَدِ .
اَلْبَلَاءُ اَلْإِيمَانِيُّ لَهُ حَدَّيْنِ :
إِمَّا أَنْ تُضَحِّيَ بِنَفْسِكَ .
أَوْ
تَرْضَى بِالِارْتِدَادِ عَنْ دِينكْ .
بَلَغَ الْبَلَاءُ اَلْإِيمَانِيُّ مَبْلَغَهُ ، فَقَدَ بَذَلَ اَلْفِتْيَةُ أَرْوَاحَهُمْ لِلْفِرَارِ بِدِينِهِمْ.
اَلْأَجْوَاءُ اَلْحَالِيَّةُ تُسَيْطِرُ فِيهَا اَلضَّلَالَاتُ وَاَلَّتِي غَلَبَتْ عَلَى عُقُولِ اَلنَّاسِ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ اَلْوَسَائِلِ اَلْحَدِيثَةِ.
مِنَ اَلْعَسِيرِ جِدًّا اَلْإِبْقَاءُ عَلَى اَلْإِيمَانِ وَالْحِفَاظِ عَلَيْهِ فِي هَذَا اَلْجَوِّ اَلْمُلَوَّثِ اَلَّذِي بَلَغَ مُنْتَهَاهُ فِي حَيَاةِ اَلْأُمَّةِ.
﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ ...مَاحَكَاَهْ اَلْقُرْآنُ مِنْ قَوْلِهِمْ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ اَلْخَوْفَ مِنْ حِرْمَانِ اَلْفَلَاحِ لَايرْجَع إِلَى اَلِارْتِدَادِ فَحَسْبَ ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ كَذَلِكَ إِلَى اَلْخَوْفِ مِنْ اَلرَّجْمِ فِيمَا يَبْدُو ، وَإِنَّ قَتْلَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ يُؤَدِّي إِلَى حِرْمَانِ اَلنَّاسِ مِنْ نَفْعِهِمْ اَلْمُتَعَدِّي . .
اَلْمُصَادَمَةُ مَعَ اَلْآخَرِ لَنْ تُجْدِيَ نَفْعًا ، وَقَدْ تَكُونُ سَبَباً لِعَدَمِ اِلْتِحَاقِ اَلنَّاسِ بِطَرِيقِ اَلْجُهْدِ .
غَرِيبٌ فِي مَدِينَتِهِ...
خَرَجَ صَاحِبُ النَّفَقَةِ مِنَ الْكَهْفِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَرَاعَهُ مَا وَجَدَهُ مِنْ وُجُوهٍ جَدِيدَةٍ، وَمَعَالِمَ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى الْتَبَسَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ:
أَمَّا الدِّيارُ فَإِنَّهَا كَدِيَارِهِمْ ... وَأَرَى رِجَالَ الْحَيِّ غَيْرَ رِجَالِهِمْ
فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ قُرُونٍ ...
مِئَاتُ السِّنِينَ مَرَّتْ عَلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ، حَيْثُ تَوَالَتِ الْعُهُودُ، وَتَعَاقَبَتِ الْمُلُوكُ، وَوَلَّتْ دَوْلَةُ الِاسْتِبْدَادِ وَالطُّغْيَانِ، وَانْحَلَّتْ مَمْلَكَةُ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ، وَحَلَّتْ دَوْلَةُ الْعِلْمِ والْإِيمَانِ، وَتَنَسَّمَتِ الْأَجْيَالُ عَبِيرَ الْحُرِّيَّةِ .