110- سُورَةُ النَّصْرِ
﷽
سُورَةُ النَّصْرِ سُورَةٌ مَدَنِيَّةٌ.
هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ.
كَمَا خَتَمَ الْبِعْثَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، كَذَلِكَ خَتَمَ كِتَابَ هَذِهِ النُّبُوَّةِ بِذِكْرِ هَذَا الْفَتْحِ الْعَظِيمِ.
جَاءَتْ سُورَةُ النَّصْرِ فِي أَوَاخِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ لِتُقَدِّمَ الِاسْتِغْفَارَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكَ لِتَقْصِيرِكَ فِي جُهْدِ الدِّينِ الَّذِي حَوَتْهُ كُلُّ سُوَرِ الْقُرْآنِ.
جَاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي خَاتِمَةِ الْقُرْآنِ لِتَدُلَّ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الْجُهْدِ، وَأَنَّ النَّصْرَ وَالْفَتْحَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ مِنَّةٌ أَوْ فَضْلٌ.
هِيَ فِي بَيَانِ الْبُشْرَى بِالْفَتْحِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَتَمْكِينِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ وَأَمْرِهِ، وَنَعْيِ نَفْسِهِ لَهُ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهُ، فَأَشْعَرَهُ اللهُ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ فَتْرَةِ تَمْكِينِهِ وَنَصْرِهِ.
إِنْبَاءٌ بِأَنَّ الْحَقَّ بَلَغَ مَرْكَزَهُ، وَفَتْحُ مَكَّةَ هُوَ مَرْكَزُ هَذِهِ الْبِعْثَةِ لِكَوْنِ الْكَعْبَةِ مَرْكَزًا لِلتَّوْحِيدِ وَالْإِسْلَامِ.
غَايَةُ هَذِهِ الْبِعْثَةِ هِيَ التَّوْحِيدُ.
الْبِشَارَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِهِ وَتَبَرَّءُوا مِنْ أَعْدَائِهِ، وَأَنَّ التَّقَاطُعَ وَالتَّبَاعُدَ مِنَ الْمُجْرِمِينَ سَبَبٌ لِلْمَعِيَّةِ الْخَاصَّةِ.
لَمَّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ، وَجَاءَ النَّصْرُ الْمَوْعُودُ، وَقَدْ أَكْمَلَ دِينَهُمْ، أَوْفَى النَّبِيُّ بِرِسَالَتِهِ، وَأَصَابَ مَقْصَدَ بَعْثَتِهِ، فَحَانَ لَهُ الرَّحِيلُ إِلَى رَبِّهِ.
حِينَ نَزَلَتْ سُورَةُ النَّصْرِ، عَرَفَ مَنْ عَرَفَ أَنَّهَا تَنْعَى النَّبِيَّ ﷺ ، لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ أَجَلًا وَغَايَةً، وَأَنَّ الرِّسَالَةَ قَرُبَتْ مِنْ مَقْصِدِهَا، وَذَلِكَ فَتْحُ مَكَّةَ وَرَدُّ الْحَنِيفِيَّةِ إِلَى أَصْلِهَا.
جَاءَتْ سُورَةُ النَّصْرِ وَدُخُولُ النَّاسِ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا بَعْدَ مَقَالَةِ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يُرِيدُونَ التَّضْيِيقَ عَلَى هَذَا الدِّينِ وَمَنْعَ انْتِشَارِهِ وَتَوَسُّعِهِ.
جَاءَتْ سُورَةُ النَّصْرِ بَعْدَ سُورَةِ الْكَافِرُونَ لِتُفِيدَ أَنَّ النَّصْرَ ثَمَرَةٌ مِنْ ثَمَرَاتِ الثَّبَاتِ عَلَى الْمَبَادِئِ دُونَ تَنَازُلٍ.
بَعْدَ أَنِ اجْتَهَدْتَ الْجُهْدَ الْحَقِيقِيَّ وَقَدَّمْتَ كُلَّ مَا لَدَيْكَ مِنْ تَضْحِيَاتٍ وَمُجَاهَدَاتٍ، فَالْآنَ جَاءَ دَوْرُ الِاسْتِغْفَارِ.
الِاسْتِغْفَارُ نُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّنَا بَعْدَ كُلِّ عَمَلٍ، لِتَقْصِيرِنَا فِي مَقَامِ رَبِّنَا.
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)
النَّصْرُ وَالْفَتْحُ مِنْهُ تَعَالَى، فَسَبِّحُوهُ وَاحْمَدُوهُ.
النَّصْرُ: الْمَعُونَةُ عَلَى الْعَدُوِّ لِلظُّهُورِ عَلَيْهِ.
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾: أَجَلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! تَمَّ الْمَقْصِدُ!
أَوَّلُ النُّبُوَّةِ زَلَازِلُ وَصَبْرٌ، وَآخِرُهَا بَرَكَاتٌ وَأَجْرٌ.