لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196)
هَذَا خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾.
التِفَاتَةٌ لِلْكُفَّارِ وَالْعُصَاةِ وَالْمُعَادِينَ لِجُهْدِ الدِّينِ.
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ هِيَ أَيَّامٌ قَلَائِلُ وَأَنْفَاسٌ مَعْدُودَةٌ، ثُمَّ بَعْدَهَا حَسَرَاتٌ مُتَرَادِفَةٌ، وَأَحْزَانٌ مُتَضَاعِفَةٌ.
لَا تَظُنَّ أَنَّ حَالَ الْكُفَّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ.
نَظَرُكَ إِلَى حَالِ السَّعَةِ لَدَى الْأَغْيَارِ، رُبَّمَا أَثَّرَ فِي نَفْسِكَ.
اسْتِحْسَانُكَ لِمَا أَعْطَاهُمُ اللهُ مِنَ السَّعَةِ الْمُؤَقَّتَةِ يَقْدَحُ فِي إِيمَانِكَ بِالْغَيْبِ.
الْمُرَادُ: تَثْبِيتُ أَهْلِ الْإِيمَانِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ.
فِيهَا تَسْلِيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَصْبِيرُهُمْ بِبَيَانِ قُبْحِ مَا أُوتِيَ الْكَفَرَةُ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا.
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: أَعْلَمَ اللهُ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُغْبَطُوا بِهِ؛ لِأَنَّ مَصِيرَهُمْ إِلَى النَّارِ، وَلَا خَيْرَ فِي نَعِيمٍ بَعْدَهُ النَّارُ.
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُهُمْ﴾: غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِذُنُوبِهِمْ.
الْمُرَادُ بِتَقَلُّبِهِمْ: تَصَرُّفُهُمْ فِي التِّجَارَاتِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّلَذُّذِ بِالْأَمْوَالِ.
سُبْحَانَهُ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا أَنَّ زَخَارِفَ الْحَيَاةِ قَدْ تَأْتِي لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ.
الْكَافِرُ قَدْ يَأْخُذُ الْعَاجِلَةَ الْمُنْتَهِيَةَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْخُذُ الْآجِلَةَ الَّتِي لَا تَنْتَهِي.
حَذَارِ أَنْ يَدْخُلَ الشَّكُّ قَلْبَ مُؤْمِنٍ فِي الْإِيمَانِ بِسَبَبِ رَخَاءِ الْكُفَّارِ فِي مَعِيشَتِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ.
لَرُبَّمَا يَقَعُ فِي نَفْسِ مُؤْمِنٍ أَنَّ هَذَا الْإِمْلَاءَ لِلْكُفَّارِ إِنَّمَا هُوَ لِخَيْرٍ لَهُمْ!
هَذِهِ الْآيَةُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا التَّسْلِيَةُ عَمَّا يَحْصُلُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا وَتَنَعُّمِهِمْ فِيهَا.