فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ انْقَطَعَ طَمَعُهُمْ مِنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي رَدِّهِ.
لَمَّا بَلَغُوا حَدَّ الْيَأْسِ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾!
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ بَعْدَ مُحَاوَلَاتٍ كَثِيرَةٍ.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا ﴾ حِينَ يَئِسُوا وَانْقَطَعَ الْأَمَلُ مِنْ يُوسُفَ، انْفَرَدُوا بِأَنْفُسِهِمْ لِيَتَنَاجَوْا.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا منْهُ﴾ أَيْ يَئِسُوا مِنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِجَابَتِهِ لَهُمْ وَإِلَى مُرَادِهِمْ.
انْسَحَبُوا يُفَكِّرُونَ فِي مَوْقِفِهِمْ الْمُحْرِجِ أَمَامَ أَبِيهِمْ حِينَ يَرْجِعُونَ.
التَّفَاوُضُ وَالتَّشَاوُرُ طَلَبًا لِلْأَصْلَحِ الْأَصْوَبِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾.
لَمَّا انْقَطَعَ طَمَعُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ ﴿خَلَصُوا﴾ أَيْ انْفَرَدُوا عَنْ غَيْرِهِمْ وَاعْتَزَلُوا النَّاسَ.
﴿نَجِيًّا﴾ أَيْ يُنَاجِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ جَلَسُوا مَعَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالِاهْتِمَامِ وَالْمَشُورَةِ.
﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أَيْ انْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ، وَعَقَدُوا مَجْلِسًا يَتَشَاوَرُونَ فِيهِ.
الْجَوُّ الْمُحِيطُ لَا يَحْمِلُ أَيَّ بَارِقَةِ أَمَلٍ، وَهُنَا: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾!
لَمْ تُجْدِ الْمُحَاوَلَاتُ نَفْعًا، وَلَمْ يَتَزَحْزَحْ يُوسُفُ شَعْرَةً عَنْ مَوْقِفِهِ.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ أَيْ يَئِسُوا مِنْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ أَخَاهُمْ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أَيْ جَعَلُوا يَتَنَاجَوْنَ وَيَتَشَاوَرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قَدْ يَكُونُ كَبِيرُهُمْ هُوَ أَمِيرَ السَّفَرِ.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي كَبِيرَهُمْ فِي الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ، وَلَمْ يَكُنْ أَكْبَرَهُمْ فِي السِّنِّ.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ لَقَدْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَرَجِ وَالْغَمِّ بَابٌ، سَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ طُوفَانٌ مِنَ الْهُمُومِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِحِسْبَانٍ.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ اسْتَقَرَّ قَرَارُ كَبِيرِهِمْ أَلَّا يَبْرَحَ الْمَكَانَ، وَلَنْ يَعُودَ إِلَى أَبِيهِ إِلَّا إِنْ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ، أَوْ أَنْ يَحْكُمَ اللَّهُ لَهُ.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ الْأَخُ الْأَكْبَرُ يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ.
تَرَكَ إِخْوَتَهُ يَتَحَمَّلُونَ تِلْكَ الْمُوَاجَهَةَ مَعَ الْأَبِ.
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ أَيْ قَصَّرْتُمْ فِي شَأْنِهِ وَلَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أَبِيكُمْ فِيهِ، وَقَدْ قُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ.
﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ هُنَا كَانَتْ بِدَايَةُ الْإِفَاقَةِ وَصَحْوَةُ الضَّمِيرِ.
تَوَالِي الْمَصَائِبِ كَفِيلٌ بِإِيقَاظِ الضَّمَائِرِ.
مَنْهَجٌ تَرْبَوِيٌّ عَمَلِيٌّ، مَرُّوا بِصُنُوفِ الْمُعَانَاةِ لِتَغَلْغُلِ نَزْعَةِ الشَّرِّ فِي نُفُوسِهِمْ.
نَزَعَاتُ الشَّرِّ الْكَامِنَةُ مُنْذُ عَشَرَاتِ السِّنِينَ لَا يُصْلِحُهَا مُجَرَّدُ النَّصِيحَةِ، وَلَكِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى تَرْبِيَةٍ بِالْمَيْدَانِ وَمُقَاسَاةِ الْمَرَارَةِ وَالْحِرْمَانِ.
الْمَيْدَانُ وَالْمَرَارَةُ وَالْحِرْمَانُ يُذِيبُ مَا عَلِقَ فِي النُّفُوسِ مِنْ شَوَائِبَ وَخَبَثٍ.
كُلُّ هَذِهِ الْمَسِيرَةِ الطَّوِيلَةِ مِنَ السِّنِينَ، وَالسِّلْسِلَةُ الْمُتَّصِلَةُ مِنَ الْأَحْدَاثِ، وَالْمُعَانَاةُ الْآخِذَةُ بَعْضُهَا بِرِقَابِ بَعْضٍ، وَالْفَشَلُ الْمُتَلَاحِقُ، هَذَا كُلُّهُ عَمِلَ عَمَلَهُ فِي تَطْوِيرِ شَخْصِيَّةِ إِخْوَةِ يُوسُفَ حَتَّى غَدَوْا كَوَاكِبَ.
بَقِيَ فِي مِصْرَ لِيَكُونَ بَقَاؤُهُ عَلَامَةً لِوَالِدِهِ يَعْرِفُ بِهَا صِدْقَهُمْ فِي سَبَبِ تَخَلُّفِ أَخِيهِمْ.
يَقُولُ لَهُمْ: لَنْ أُغَادِرَ مَوْقِعِي حَتَّى يَأْتِيَنِي إِذْنٌ مِنْ أَبِي أَنْ أَعُودَ، وَإِلَّا فَإِنِّي مُقِيمٌ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقِيمَ.
قَالَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ أَيْ فَلَنْ أُفَارِقَ أَرْضَ مِصْرَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي فِي الِانْصِرَافِ إِلَيْهِ، أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالْخُرُوجِ مِنْهَا، أَوْ بِالِانْتِصَافِ مِمَّنْ أَخَذَ أَخِي، أَوْ بِخَلَاصِهِ مِنْ يَدِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْحَقِّ.
﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ هُوَ الَّذِي حُكْمُهُ لَا جَوْرَ فِيهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ نَقْضَهُ.