وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)
أَصَابَتْهُمُ الدَّهْشَةُ وَالتَّعَجُّبُ وَالْمُفَاجَأَةُ مِنَ الْجُهْدِ لِلدِّينِ.
الرِّسَالَةُ تَتَضَمَّنُ النِّذَارَةَ وَالْبِشَارَةَ.
عَجِبُوا أَنْ ﴿جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وَلَمْ يَعْجَبُوا أَنْ تَكُونَ الْمَنْحُوتَاتُ آلِهَةً.
قِصَّةُ التَّعَجُّبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا قِصَّةٌ قَدِيمَةٌ، مَكْرُورَةٌ مُعَادَةٌ، قَالَهَا كُلُّ قَوْمٍ وَتَعَلَّلُوا بِهَا مُنْذُ بَدْءِ الرِّسَالَاتِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ النَّدَوِيُّ: (مَا أَخْطَأَ الْمُجْتَمَعُ الْجَاهِلِيُّ فَهْمَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ وَمَرَامِيهَا، وَمَا غُمَّ عَلَى أَهْلِهِ أَمْرُهَا، وَأَدْرَكُوا عِنْدَمَا قَرَعَ أَسْمَاعَهُمْ صَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دَعْوَتَهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ سَهْمٌ مُسَدَّدٌ إِلَى كَبِدِ الْجَاهِلِيَّةِ وَنَعْيٌ لَهَا، فَقَامَتْ قِيَامَةُ الْجَاهِلِيَّةِ وَدَافَعَتْ عَنْ تُرَاثِهَا دِفَاعَهَا الْأَخِيرَ، وَقَاتَلَتْ فِي سَبِيلِ الِاحْتِفَاظِ بِهِ قِتَالَ الْمُسْتَمِيتِ، وَأَجْلَبَتْ عَلَى الدَّاعِي بِخَيْلِهَا وَرَجِلِهَا، وَجَاءَتْ بِحَدِّهَا وَحَدِيدِهَا: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، وَوَجَدَ كُلُّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَمِنْ أَثَافِي الْجَاهِلِيَّةِ نَفْسَهُ مُهَدَّدًا وَحَيَاتَهُ مُنْذَرَةً، وَهُنَا وَقَعَ مَا تَحَدَّثَ عَنْهُ التَّارِيخُ مِنْ حَوَادِثِ الِاضْطِهَادِ وَالتَّعْذِيبِ، وَكَانَ ذَلِكَ آيَةَ تَوْفِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ أَصَابَ الْغَرَضَ، وَضَرَبَ عَلَى الْوَتَرِ الْحَسَّاسِ، وَأَصَابَ الْجَاهِلِيَّةَ فِي صَمِيمِهَا وَفِي مَقْتَلِهَا، وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دَعْوَتِهِ ثَبَاتًا دُونَهُ ثَبَاتُ الرَّاسِيَاتِ، لَا يُثْنِيهِ أَذًى، وَلَا يَلْوِيهِ كَيْدٌ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى إِغْرَاءٍ، وَيَقُولُ لِعَمِّهِ: "يَا عَمِّ، لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرُ فِي يَسَارِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِي طَلَبِهِ").
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾، قَالُوهُ تَنْفِيرًا لِلْعَامَّةِ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَهْوِيشًا عَلَى الْحَقِّ الْوَاضِحِ فِي حَدِيثِهِ، وَالصِّدْقِ الْمَعْرُوفِ عَنْ شَخْصِهِ.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾، مِنْ أَسْلِحَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ فِي مُقَارَعَةِ الْحَقِّ اخْتِرَاعُ أَلْقَابٍ مُنَفِّرَةٍ يَنْشَغِلُ بِهَا الْبُسَطَاءُ عَنِ الْمَضَامِينِ.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ يَسْتُرُونَ الْحَقَّ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ إِيَّاهُ، فَهُمْ جَاحِدُونَ لَا جَاهِلُونَ وَمُعَانِدُونَ لَا غَافِلُونَ.
﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾، هُوَ سِلَاحٌ مِنْ أَسْلِحَةِ التَّهْوِيشِ وَالتَّضْلِيلِ وَحَرْبِ الْخِدَاعِ الَّتِي يُتْقِنُهَا أُولَئِكَ...!
يَتَّخِذُونَ هَذِهِ الْمُفْرَدَاتِ لِحِمَايَةِ أَنْفُسِهِمْ وَمَرَاكِزِهِمْ مِنْ خَطَرِ الْحَقِّ.
﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾، الْجَمَاهِيرُ تَنْسَحِبُ إِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ.
هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ.