مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15)
﴿مَثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ ... كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ مَعْنَاهُ مَنْ كَانَ فِي هَٰذَا ٱلنَّعِيمِ ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ﴾!
أَيُّ شَيْءٍ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ ٱلْمَوْتِ فَهُوَ مَوْعُودٌ كَبِيرٌ، لِأَنَّهُ دَائِمٌ.
مَدَحَ ٱللَّهُ ٱلْآخِرَةَ بِأَلْبَانِهَا وَأَنْهَارِهَا وَخَمْرِهَا وَعَسَلِهَا وَحُورِهَا وَقُصُورِهَا.
مَدَحَ ٱللَّهُ ٱلْآخِرَةَ بِأَشْيَائِهَا وَلَيْسَ بِأَعْمَالِهَا.
لَيْسَتْ هَٰذِهِ ٱلْأَنْهَارُ ٱلْجَارِيَةُ مِيَاهًا مُتَدَفِّقَةً فَحَسْبُ، وَلَٰكِنَّهَا أَنْهَارٌ مُتَنَوِّعَةٌ بَيْنَ مَاءٍ عَذْبٍ، وَلَبَنٍ سَائِغٍ، وَخَمْرٍ شَهِيٍّ، وَعَسَلٍ صَافٍ.
ٱلشَّرَابُ يُنَاسِبُ كُلَّ ٱلْأَذْوَاقِ.
جَاءَ هَٰذَا ٱلتَّنَوُّعُ فِي ٱلشَّرَابِ لِيُلَبِّيَ رَغَبَاتِ ٱلْبَشَرِ، وَيَسْتَثِيرَ فِيهِمْ شَوْقَهُمْ إِلَىٰ ٱلْجَنَّةِ.
ٱلْمَشْهَدُ هُنَا كُلُّهُ أَشْرِبَةٌ، لِتُوحِيَ بِٱلْكَثْرَةِ وَٱلْوَفْرَةِ، وَٱلدَّيْمُومَةِ وَعَدَمِ ٱلِٱنْقِطَاعِ.
تُرِكَتِ ٱلثَّمَرَاتُ مُجْمَلَةً بِدُونِ تَفْصِيلٍ لِٱسْتِثَارَةِ ٱلْخَيَالِ، كَيْ يَسْتَحْضِرَ أَنْوَاعَهَا، وَطُعُومَهَا، وَأَلْوَانَهَا وَأَشْكَالَهَا.
ٱلنَّعِيمُ ٱلْمَعْنَوِيُّ إِلَىٰ جَانِبِ ٱلنَّعِيمِ ٱلْحِسِّيِّ، يَتَمَثَّلُ فِي ٱلْمَغْفِرَةِ مِنَ ٱللَّهِ.
إِذَا كَانَتِ ٱلنَّفْسُ لَا تَعْلَمُ... فَلَا تُوجَدُ أَلْفَاظٌ تُعَبِّرُ عَمَّا يُوجَدُ فِي ٱلْجَنَّةِ... وَٱلْمَثَلُ مَتَىٰ شَاعَ ٱسْتِعْمَالُهُ بَيْنَ ٱلنَّاسِ سُمِّيَ مَثَلًا.
فِي ٱلْجَنَّةِ نَهْرٌ يُقَالُ لَهُ ٱلْبَيْدَخُ عَلَيْهِ قِبَابٌ مِنْ يَاقُوتٍ تَحْتَهُ جَوَارٍ [نَابِتَاتٌ] يَقُولُ أَهْلُ ٱلْجَنَّةِ: ٱنْطَلِقُوا بِنَا إِلَىٰ ٱلْبَيْدَخِ [فَيَجِيئُونَ] فَيَتَصَفَّحُونَ تِلْكَ ٱلْجَوَارِيَ فَإِذَا أَعْجَبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ جَارِيَةٌ مَسَّ مِعْصَمَهَا فَتَتْبَعُهُ.
﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ﴾... أَتْبَعَهُ وَصْفَ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي هِيَ دَارُ أَوْلِيَائِهِ قَادَهُمْ إِلَيْهَا ٱلْهُدَىٰ، وَٱلنَّارِ ٱلَّتِي هِيَ دَارُ أَعْدَائِهِ سَاقَهُمْ إِلَيْهَا ٱلضَّلَالُ.
بُدِئَ بِٱلْمَاءِ ٱلَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ فِي ٱلْمَشْرُوبَاتِ، ثُمَّ بِٱللَّبَنِ لِأَنَّهُ مِنَ ٱلْمَطْعُومَاتِ، ثُمَّ بِٱلْخَمْرِ لِأَنَّهُ مِنَ ٱلْمَلَذَّاتِ، ثُمَّ بِٱلْعَسَلِ لِأَنَّهُ مِنَ ٱلْمُشْتَهَيَاتِ.
أَنْهَارُ ٱلْجَنَّةِ تَفَجَّرَتْ مِنْ جَبَلِ مِسْكٍ.
ٱنْفَجَرَ مِنْ طَهَارَةِ ٱلنَّفْسِ هَٰذِهِ ٱلْأَذْوَاقُ كَأَنْهَارٍ صَافِيَةٍ.
نَفَىٰ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَٰذِهِ ٱلْأَنْهَارِ مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ ٱلْآفَاتِ ٱلدُّنْيَوِيَّةِ.
خَرَجَ مِنْ شَجَرِ ٱلْإِيمَانِ ثَمَرَاتُ ٱلْأَعْمَالِ ٱلصَّالِحَةِ وَٱلْأَحْوَالِ ٱلطَّيِّبَةِ.
شَرَبُ ٱلْحَمِيمِ يَقْطَعُ ٱلْأَمْعَاءَ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾.
شَرَابُهُمْ هُوَ ٱلْحَمِيمُ ٱلسَّاخِنُ، ٱلَّذِي يَقْطَعُ ٱلْأَمْعَاءَ.