وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً (14)
لَفَتَ أَنْظَارَهُمْ سُبْحَانَهُ لِصِفَة اَلرُّبُوبِيَّةِ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. . .﴾ لِأَنَّ اَلنَّاسَ كَانُوا يَتَصَوَّرُونَ اِنْحِصَار رُقِيِّهِمْ وَازْدِهَارِهِمْ وَكَفَالَةِ حَاجَاتِهِمْ وَقَضَاءِ مُتَطَلَّبَاتِهِمْ فِي اَلْوَفَاءِ لِلْحُكُومَةِ وَالْوَظَائِفِ وَالْمَنَاصِبِ.
لَمْ يَكُونُوا يَتَصَوَّرُونَ اَلرَّاحَة وَالطُّمَأْنِينَة وَالْعَيْش اَلْهَنِيء بِدُونِ مَوَارِدِ اَلدَّوْلَةِ.
قَوْلُهُمْ : ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ لَيْسَ لَنَا رَبٌّ وَكَافِلٌ إِلَّا اَللَّهُ رَبّ اَلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَاحَكُومَةً تُرَبِّيْنَا وَلَا مَخْلُوقٌ يَرْزُقُنَا .
ضَرَبُوا تِلْكَ الْعَقِيدَةَ الْجَاهِلِيَّةَ الْفَاسِدَةَ وَالتَّصَوُّرَ الْعَقِيمَ الَّذِي يُشْرِكُ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً وَأَرْبَابًا أُخْرَى فِي عُرْضِ الْحَائِطِ.
أَعْلَنُوا أَنَّ رِزْقَهُمْ وَنَفْعَهُمْ وَنُصْرَتَهُمْ رَاجِعٌ إِلَى اَللَّهِ وَحْدَهُ .
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ : هَذَا فِيهِ تَثْبِيتٌ، وَالرَّبْطُ عَلَى الْقَلْبِ، شَبَّهَ الْقَلْبَ وَكَأَنَّمَا رُبِطَ بِحَبْلٍ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مَكَانُ الْخَوْفِ، مَكَانُ الْقَلَقِ، فَإِذَا رُبِطَ؛ كَأَنَّمَا اسْتَقَرَّ.
﴿وَرَبَطْنَا﴾ النُون نُونُ الْعَظَمَةِ.
رَبَطَ اللهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَلَى قُلُوبِهِمْ رَغْمَ أَنَّهُمْ قِلَّةٌ، فَذَهَبَ الْخَوْفُ عَنْهُمْ، وَتَصَرَّفُوا تَصَرُّفَ الْعُقَلَاءِ.
رَبَطَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِ اَلْفِتْيَةِ حِينَ صَارَحُوا اَلْمَلِك بِعَقِيدَتِهِمْ ، فَامْتَلَأَتْ تِلْكَ اَلْقُلُوبِ اَلنَّقِيَّةِ اَلطَّاهِرَةِ قُوَّةً وَشَجَاعَةً .
نَسَبَ اللهُ هَذِهِ الْكَرَامَاتِ لِذَاتِهِ الْعَلِيَّةَ: ﴿وَرَبَطْنَا ﴾ ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ .
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبهِمْ﴾: أَيْ ثَبَّتْنَاهُمْ عَلَى اَلْهُدَى .
بِسَبَبَ مِحْنَتِهِمْ . . . اَللَّهُ ثَبَّتَهُمْ وَرَبَطَ عَلَى قُلُوبِهِمْ .
﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾: شَدَدْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ وَثَبَّتْنَاهَا؛ لِيُوَاجِهُوا رِيَاحَ الْفِتَنِ، وَأَعَاصِيرَ الْمِحَنِ.
﴿وَرَبَطْنَا ﴾ وَشَدَدْنَا ﴿عَلى قُلوبِهمْ ﴾ بِالصَّبْرِ وَالثَبَات ، وَقَوَّيْنَاهُمْ بِنُورِ اَلْإِيمَانِ .
﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾: أَيْ: قَوَّيْنَاهُمْ حَتَّى اقْتَحَمُوا مَضَايِقَ الصَّبْرِ عَلَى هَجْرِ الْأَهْلِ وَالْأَوْطَانِ وَالنَّعِيمِ وَالْإِخْوَانِ.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ : الرَّبْطُ عَلَى الْقَلْبِ مَعْنَاهُ: تَثْبِيتُ الْإِيمَانِ ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا أَنَّ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنَّ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص:10] أي: بالْإِيمَانِ ﴿لِتكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبهِمْ﴾ رَبَاطَةُ الْجَأْشِ، وَهِيَ الشَّجَاعَةُ، فَلَا يُكْتَفَى بِالْإِيمَانِ وَالِالْتِزَامِ مَا لَمْ تُصَاحِبْهُ رَبَاطَةُ الْجَأْشِ.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبهِمْ﴾: قَوَّى اللهُ قُلُوبَهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى هَجْرِ الْأَوْطَانِ، وَالْفِرَارِ بِالدِّينِ إِلَى بَعْضِ الْغِيرَانِ.
الرَّبْطُ عَلَى قُلُوبهِمْ: يَتَضَمَّنُ الشَّدَّ عَلَيْهَا بِالصَّبْرِ وَالتَّثْبِيتِ، وَتَقْوِيَتِهَا وَتَأْيِيدِهَا بِنُورِ الْإِيمَانِ، حَتَّى صَبَرُوا عَلَى هُجْرَانِ دَارِ قَوْمِهِمْ، وَمُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ رَغَد الْعَيْشِ، وَفَرُّوا بِدِينِهِمْ إِلَى الْكَهْفِ.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبهِمْ﴾: مَنْ رَبَطَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ؛ صَارَ حَالُهُ فِي الْجَلْوَةِ كَحَالِهِ فِي الْخَلْوَةِ.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبهِمْ﴾: مَنِ اسْتَنَارَ بِنُورِ الْإِيمَانِ؛ جَاءَتْهُ الْعَطَايَا مِنْ رَبِّ الْبَرِيَّاتِ، وَرَزَقَهُ اللهُ أَوَّلاً الْإِيمَانَ، ثُمَّ زِيَادَةَ الْهُدَى، ثُمَّ الرَّبْط عَلَى الْقَلْبِ، مِنَنٌ رَبَّانِيَّةٌ لِلتَّثْبِيتِ عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبهِمْ﴾: هُوَ أَنَّنَا أَيَّدْنَا قُلُوبَهُمْ بِالرِّبَاطِ الْإِلَهِيِّ.
رَبَطَ اللهُ عَلَى قَلْبِ الْفِتْيَةِ كَمَا رَبَطَ عَلَى قَلْبِ أُمِّ مُوسَى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا أَنَّ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنَّ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾[القصص:10]، وَهُوَ مِنْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَنِعْمَةٌ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى.
جَعَلَ السُّلْطَانُ يُهَدِّدُهُمْ، هُنَا جَاءَتِ الْحَاجَةُ لِلرَّبْطِ الْإِلَهِيِّ: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ....أَلْهَمْنَاهُمْ اَلصَّبْرُ . . . اَلثَّبَاتُ عَلَى اَلْحَقِّ تَأْيِيدٌ مِنْ اَللَّهِ .
اَلْمَخْذُولُ مَنْ حُلَّ وِثَاقُهُ مِنْ رِبَاطِ اَلتَّوْفِيقِ .
أَيَّدَهُمْ بِنُورِ اَلْإِيمَانِ وَرَزَقهُمْ اَلصَّبْرَ عَلَى هَجْرِ اَلدِّيَارِ وَالْخِلَّانِ . .
سَمَا بِفَتِيَةِ اَلْكَهْفِ إِيمَانُهُمْ إِلَى اَلْمَنْزِلَةِ اَلْعَالِيَةِ وَالدَّرَجَةِ اَلرَّفِيعَةِ مِنْ اَلرَّبْطِ عَلَى اَلْقَلْبِ .
وَظِيفَةُ الْقَلْبِ الْخَفَقَانُ وَالتَّقَلُّبُ، وَهَا هِيَ تَتَقَلَّبُ قُلُوبُ الْبَعْضِ تَائِهَةً حَيْرَانَةً فِي أَوْدِيَةِ الْهَلَاكِ، وَالسَّبَبُ فَقْدُ الْمَجَالِسِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَقُدْرَتِهِ."
اَلْقَلْبُ مَكَانٌ مُقَدَّسٌ إِذَا دَخَلَهُ حُبُّ غَيْرُ اَللَّهِ تَنَجَّسَ .
لَمْ يَمْدَحِ اللَّهُ أَيَّ تَجَمُّعٍ دَعَوِيٍّ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ عَدَا تَجَمُّعَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةِ.
بَيْنَمَا هُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمُ الْمُبَارَكِ الْيَوْمِيِّ رَمَقَتْهُمْ أَعْيُنُ الْوُشَاةِ، فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إِلَى سُلْطَانِ بَلَدِهِمْ.
انخَلَعَ الفِتْيَةُ مِنْ بِيئَةِ الأوْثانِ، وَانْسَحَبُوا بِفِطْرَتِهِمْ النَّقِيَّةِ الطّاهِرَةِ مِنْها...
تَسَلَّلَ الفِتْيَةُ مِنْ بِيئِةِ المَعْصِيَةِ وَتَوَجَّهُوا بِقُلُوبِهِمْ إلى اللهِ – تَعالى – وَحْدَهُ الذي شَرَحَ صُدُورَهُمْ لِلْإيمانِ، وَكَرَّهَ إلَيْهِمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيانَ.
التَّأْيِيدُ الرَّبّانِيُّ لإيمانِـهِمْ - وَتَقْوِيَةُ رَبِّهِمْ لِهَذا الإيمانِ وَتَرْسِيخُهُ في قُلُوبِهِمْ - كان بِنِسْبَةِ إيمانِهِمْ السابِقِ وَبِنِسْبَةِ نِيَّتِهِمُ الصّالِحَةِ.
أَمْهَلَ دِقْيَانُوسُ الْفِتْيَةَ أَيَّاماً لِيَتَفَكَّرُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَظَنَّ أَنَّهُمْ سَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمُ الْجَدِيدِ إِلَى وَثَنِيَّةِ أَجْدَادِهِمُ الْمَوْرُوثَةِ، وَمَا دَرَى الْجَاهِلُ أَنَّ بَشَاشَةَ الْإِيمَانِ إِذَا خَالَطَتِ الْقُلُوبَ لَنْ يَرُدَّهَا عَنْ دِينِهَا تَهْدِيدٌ بِالْقَتْلِ أوَ الصَّلْبِ أَوِ التَّعْذِيبِ.
أَمْهَلَ السُّلْطَانُ الْجَائِرُ الْفِتْيَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالَوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾، وَبَعْدَهَا إِمَّا الْعَوْدَةُ لِأَحْضَانِ الشِّرْكِ، وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، أَوِ الرَّجْمُ، فَاخْتَارَ الْفِتْيَةُ الْفِرَارَ بِدِينِهِمْ مِنَ الْفِتَنِ.
قِيلَ: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ أَحْدَاثٌ أَحْرَار مِنْ أَبْنَاءِ أَشْرَافِ الرُّومِ، وَكَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ مِنْ أَبْنَاءِ عُظَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ أَنَّهُمْ لَمَّا حَضَرُوا بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ نَزَعَ عَنْهُمْ لَبُوساً كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ لَبُوسِ عُظَمَائِهِمْ.
قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ رَجُلٍ تَحَدَّثَ مِنْهُمْ حِينَمَا اجْتَمَعُوا عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ هُوَ أَسَنُّهُمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئاً مَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَداً يَجِدُهُ! قَالُوا: مَاذَا تَجِدُ؟ قَالَ: أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنَّ رَبِّي رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَالُوا: نَحْنُ نَجِدُ مَا تَجِدُ.
﴿ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا ﴾: يُحْتَمَلُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالْقِيَامِ عَنِ انْبِعَاثِهِمْ بِالْعَزْمِ إِلَى الْهُرُوبِ إِلَى اللهِ وَمُنَابَذَةِ النَّاسِ، كَمَا تَقُولُ: قَامَ فُلَانٌ إِلَى أَمْرِ كَذَا إِذَا اعْتَزَمَ عَلَيْهِ بِغَايَةِ الْجِدِّ.
﴿ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا ﴾: هُمْ قَامُوا فَقَالُوا ! أَمَّا نَحْنُ نَقُولُ وَلَا نَقُومُ . . اَلْأَمَانِي وَحْدَهَا لَاتْكِفِي !
اِلْتَفَّ اَلْفِتْيَةُ حَوْلَ بَعْضِهِمْ اَلْبَعْضِ وَارْتَبَطَتْ قُلُوبهُمْ بِالْحُبِّ فِي اَللَّهِ وَلِلَّهِ .
﴿ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا ﴾: قَامُوا مَعاً بِحَرَكَةٍ فَرِيدَةٍ تَحْمِلُ كُلَّ كَرَامَةِ اَلْبَشَرِ.
أَعْلَنُوهَا دُونَ تَرَدُّدٍ وَلَا خَوْف ، وَقَالُوا كَلِمَةَ اَلْحَقِّ فِي وَجْهِ اَلطُّغْيَانِ وَالِاسْتِبْدَادِ .
اَلسُّلْطَانُ يَعْتَبِرُ اَلْعِلْمَ اَلْحَقِيقِيُّ خَطَرٌ عَلَى وُجُودِهِ وَسُلْطَتِهِ .
فَارَقَ الْفِتْيَةُ قَوْمَهُمْ مِنْ لِينِ الْعَيْشِ إِلَى خُشُونَةِ الْمُكْثِ.
﴿إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَعْنى قامَ: اجْتَهَدَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ .
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالَوا﴾: وَقَفُوا فِي بِيئَاتِ الضَّلَالَةِ يُعْلِنُونَ فَسَادَ أَحْوَالِ الْمَدِينَةِ بِسَبَبِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ، كَمَا أَعْلَنُوا إِيمَانَهُمْ بَيْنَ قَوْمِهِمْ، وَأَظْهرُوا عَدَمَ الْاكْتِرَاثِ بِتَهْدِيدِ الْمَلِكِ وَقَوْمِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾[الشعراء:50].
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالَوا﴾: اَلشَّبَابُ اَلثَّائِرُ عَلَى اَلْوَاقِعِ اَلْمُرِّ تَنْتَقِلُ حِكَايَاتِهِمْ لِتُلْهِمَ اَلْأَجْيَالَ اَلْقَادِمَة.
لَقَدْ حَفَرَ تَحَدِّيهِمْ لِلطَّاغِيَةِ وَقُوَّةِ إِيمَانِهِمْ فِي عُقُولِ النَّاسِ وَذَاكِرَتِهِمْ مَعْنَى الْبَسَالَةِ وَالْعِنْفُوَانِ، وَأَوْقَدَ شُعْلَةً فِي نُفُوسِهِمْ.
وَقَفُوا مُعْتَزِّينَ بِإِيمَانِهِمْ، مُعْلِنِينَ وَمُبَلِّغِينَ الْحَقَّ إِلَى قَوْمِهِمْ.
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالَوا﴾: دَلَّتِ الْفَاءُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمَّا أَوَوْا إِلَى الْكَهْفِ بَادَرُوا بِالِابْتِهَالِ إِلَى اللهِ.
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالَوا﴾: قَالُوا كَلِمَة حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ .
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالَوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًاۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾: هَذِهِ بِمَثَابَةِ وَثِيقَةِ مَنْهَجٍ لِكُبْرَيَاتِ الْأُمُورِ الْعَقَدِيَّةِ .... تَوَاثَقَ الْفِتْيَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: لَنَكُونَنَّ مَعاً، لَا نَكْفُرُ بِاللهِ، وَلَا نُشْرِك بِهِ شَيْئاً، وَلَا نَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ مِنْ دُونِ اللهِ .
تَضِيقُ الدُّنْيَا وَالْحَيَاةُ عِنْدَمَا تَخْلُو مِنَ الْإِيمَانِ.
﴿لَن نَّدْعُوَ﴾: الصُّمُودُ أَمَامَ الْعُتَاةِ.
﴿ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا ﴾ اَلتَّوْحِيدَ نَجَاة .
مِنْ لُطْفِ اللهِ بِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْهُمْ، وَلَمْ يَسْجُنْهُمْ، وَتَرَكَهُمْ أَحْرَاراً، وَأَمْهَلَهُمْ، فَاهْتَدَى الْفِتْيَةُ لِلْفِرَارِ فِي وَقْتٍ يَغْفُلُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ الْقَرِيبَةِ مِنْ مَدِينَتِهِمْ.
﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ اقْطَعُوا أَمَلَكُمْ بِعَوْدَتِنَا إِلَى الشِّرْكِ !
﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ؛ لِأنَّ دُعاءَهم غَيْرَ اللَّهِ أبْعَدُ ما يَكُونُ عَنِ الحَقِّ.
اعْلَمُوا أَنَّنَا إِنْ قُلْنَا بِوُجُودِ إِلَهٍ غَيْرِ رَبِّنَا؛ فَنُقْسِمُ أَنَّنَا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا قَوْلًا فِيهِ شَطَطٌ عَظِيمٌ، وَجَوْرٌ، وَظُلْمٌ، وَمُجَاوَزَةٌ لِلْحَقِّ.
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا﴾ أَيْ : إنْ دَعُونَا مَعَهُ آلِهَةً ﴿شَطَطًا﴾ أَيْ : مَيلاً عَنْ اَلْحَقِّ ، وَطَرِيقاً بَعِيدَةً عَنْ اَلصَّوَابِ .
﴿ شَطَطًا﴾: أَيْ: لَا يَقَعُ مِنَّا هَذَا أَبَداً ؛ لِأَنَّا لَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ؛ لَكَانَ بَاطِلاً.
الشَّطَطُ: هُوَ الْقَوْلُ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا يَفُوهُ بِهِ عَاقِلٌ لَبِيبٌ، وَلَا يِنْطِقُ بِهِ إِلَّا مَنْ أَعْمَى اللهُ بَصِيرَتَهُ ، وَهُمْ بَريئُونَ مِنْ ذَلِك .
أَمَرَ الْمَلِكُ بِنَزْعِ حِلْيَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
قِيلَ أَنَّ الْمَلِكَ أَمَرَ بِأَنْ يُجَرَّدَ الْفِتْيَةُ مِنْ ثِيَابِهِمِ الْحَسَنَةِ وَأَنْ تُنْزَعَ مِنْهُمْ خَوَاتِيمُهُمُ الذَّهَبِيَّةِ.
اسْتَغَلَّ الْفِتْيَةُ انْطِلَاقَ دِقْيَانُوسَ إِلَى مَدِينَةٍ سِوَى مَدِينَتِهِمْ لِبَعْضِ أَمْرِهِ، فَتَشَاوَرُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَفَقَةً مِنْ بَيْتِ أَبِيهِ، ثُمَّ يَنْطَلِقُوا إِلَى كَهْفٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَدِينَةِ.
"هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْبَلَدِ وَتَرَكُوا الْمَدِينَةَ الزَّائِفَةَ وَوَطَنَهُمُ الْعَزِيزَ وَمَسْكَنَهُمُ الْكَرِيمَ كَانُوا مِنْ بُيُوتٍ رَفِيعَةٍ"قَالَ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: «إِنَّهُمْ كَانُوا شُبَّاناً مِنْ أَبْنَاءِ أَشْرَافِ الرُّومِ وَعُظَمَائِهِمْ».
جَدُّوا فِي سَيْرِهِمْ وَسَلَكُوا طَرِيقَ اَلنَّجَاةِ حَتَّى بَلَغُوا مَاأخْبَرْ اَللَّهُ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ قَائِلاً : ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ .
يُعْطِيكَ رَبُّكَ سُبْحَانَهُ نُورًا مِنَ الْبَصِيرَةِ جَزَاءً عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي مِنْ خِلَالِهِ تَتَجَلَّى لَكَ فِيهَا الْحَقِيقَةُ.
﴿إِذْ قَامُوا ﴾ . .﴿إِذْ قَامُوا﴾ بِالدَّعْوَةِ وَجُهْدِ اَلدِّينِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ .
حَاسَّتُكَ الْإِيمَانِيَّةُ لَنْ تُوَصِّلَكَ إِلَى الْمَقْصُودِ مَا لَمْ تُعَظِّمْ خَالِقَكَ وَتُمَجِّدْهُ وَتُقَدِّسْهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ خَالِقُهُمَا ، قَذَفَ اَللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ اَلْفِتْيَةِ اَلْإِيمَانُ.
هَؤُلَاءِ اَلْفِتْيَةِ وَجَدُوا بِنُورِهِمْ اَلدَّاخِلِيِّ أَنَّ رُبُوبِيَّةَ خَالِقِهِمْ كَافِيَةً وَمُغْنِيَةً عَمَّا عَدَاهُ كُلُّ اَلْإِغْنَاءِ.
﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً ﴾ إِنْ دَعَونَا غَيرَهُ ﴿شَطَطاً ﴾كَذِبَاً لادَلِيلَ عَلِيه .
اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَة عَلَى بَيَانِ تَرْتِيبٍ رَبَّانِيٍّ لَطِيفٍ عَجِيبٍ لِمَرَاحِلِ اَلْإِيمَانِ وَالدَّعْوَةِ وَالثَّبَاتِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَإِعْلَانِ اَلْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ .