هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15)
﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا..﴾ أَدَبُ الدُّعَاةِ ..
مِنْ جَمِيلِ عِبَارَاتِ فِتْيَةِ الْكَهْفِ قَوْلُهُمْ: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا﴾، إذْ لَمْ يَقُلْ فِتْيَةُ الْكَهْفِ: "هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمُونَ"، أَوْ "هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ الْأَنْجَاسُ"، أَوْ "هَؤُلَاءِ الْمَنَاكِيدُ" ، بَلْ قَالُوا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا﴾؛ جَمَاعَتُنَا، وَقَدْ قَالَهَا قَبْلَهُمْ مُؤْمِنُ آل يس: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾[يس:26].
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾: اتِّخَاذُ الْآلِهَةِ مِنْ دُونِ اللهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:43]: فَهَذَا الَّذِي يَتَّبِعُ هَوَاهُ اتَّخَذَ الْهَوَى إِلَهاً يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ... «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ».
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ أَيْ: هَلَّا أَقَامُوا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ دَلِيلًا وَاضِحًا صَحِيحاً ! قَوْمُنا خَالَفُوا مِنْهَاجَ الْعَقْلِ دَاعِي الْفِطْرَةِ الْأُولَى.
حِينَمَا دَخَلَ اَلْفِتْيَةُ اَلْكَهْف لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي اَلْمَسْكَنِ وَالْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ . . بَلْ قَالُوا :﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ .
﴿هؤُلاءِ قَوْمُنَا﴾ ... هو مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدَ دُخُولِهُم الكَهْف .
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يَأْسَفُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ اَلَّذِينَ حُرِمُوا اَلْإِيمَان وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ بَصِيرَةٍ .
نَامَ فِتْيَةُ اَلْكَهْفِ بِالتَّفْكِيرِ فِي هِدَايَةِ قَوْمِهِمْ . . نَامُوا بِفِكْرِ اَلْهِدَايَةِ لِقَوْمِهِمْ . . فِي اَلنَّوْمِ حَلِّ اَلْمَشَاكِلِ .
﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: فَالدَّعَاوَى لَا بُدَّ لَهَا مِنْ بَيِّنَاتٍ، وَإِلَّا فَأَصْحَابُهَا أَدْعِيَاءُ.
﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: السُّلْطَانُ: الْحُجَّةُ وَالْبُرْهَانُ. البَيِّنُ: الْوَاضِحُ الدَّلَالَةُ.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾، يَقُولُونَ: "بَلْ هُمْ ظَالِمُونَ كَاذِبُونَ" فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ مَلِكُهُمْ -لَمَّا دَعَوْهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ- أَبَى عَلَيْهِمْ، وَتَهَدَّدَهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ، وَأَمَرَ بِنَزْعِ لِبَاسِهِمْ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ زِينَةِ قَوْمِهِمْ عَنْهُمْ، وَأَجَّلَهُمْ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.
﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ اَلْكَهْفِ يَعْنُونَ أَهْلَ بَلَدِهِمْ هُمْ اَلَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ دِقْيَانُوس ، عَبَدُوا اَلْأَصْنَامُ .
﴿لَوْلَا يَأْتُونَ ﴾ هَلَّا يَأْتُونَ ﴿عَلَيْهِمْ ﴾عَلَى عِبَادَتِهِمْ ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ بِحُجَّةِ بَيِّنَةِ وَاضِحة .
كَأَنَّ الْفِتْيَةَ فِي مُصْطَلَحِ عِلْمِ الْمُنَاظَرَةِ كَانُوا بِمَثَابَةِ الْمُنْكِرِينَ، وَقَوْمُهُمْ مُدَّعُونَ، وَلَا جِدَالَ فِي أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْمُنْكِرُ يَكْفِيهِ الرَّفْضُ وَالْإِنْكَارُ.
﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ يَثْبُتُ بِهِ دَعْوَاهُمْ بِحُجَّةِ ظَاهِرَةٍ .
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ بِلَا بُرْهَان .
تَعَجَّبَ اَلْبَشَرُ مِنْ اِخْتِفَائِهِمْ اَلْمُفَاجِئِ .
بَعْدَ هُرُوبِهِمْ مِنْ اَلْجُنْدِ اَلْمُدَجَّجَةِ اَلَّذِينَ يُلَاحِقُونَهُمْ وَيَبْغُونَ قَتْلَهُمْ ، وَجَدُوا فِي ظُلْمَةِ اَلْكَهْفِ مَأْوىً لَهُمْ.