ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42)
أَجْمَلُ عَافِيَةٍ، تَشْرِيفٌ رَبَّانِيٌّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
فَقَطْ حَرِّكْ قَدَمَكَ... لِتَرَى الْعَافِيَةَ بِأُمِّ عَيْنَيْكَ...!!
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾: أَيِ اضْرِبِ الْأَرْضَ بِهَا يَنْبُعُ شِفَاؤُكَ مِنْهَا.
اسْتِجَابَةُ التَّطْهِيرِ كَانَتْ بِمَاءٍ طُهْرٍ، جَعَلَ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْقُوَّةِ يَرْكُضُ طَاعَةً لِلَّهِ وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ.
رَحِمَ اللَّهُ أَيُّوبَ بِأَنْ وَهَبَهُ الرَّكْضَ بِرِجْلَيْهِ، وَالرَّكْضُ يُمَثِّلُ أَقْصَى حَرَكَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا الْإِنْسَانُ.
الرَّغَبَاتُ الَّتِي تَظُنُّهَا أَبْعَدَ مَا تَكُونُ، يَجْعَلُهَا اللَّهُ إِنْ طَلَبْتَهَا مِنْهُ أَقْرَبَ مَا تَكُونُ.
الْحَرَكَةُ بَرَكَةٌ... حَرَمَتِ الْأُمَّةُ نَفْسَهَا مِنَ الْحَرَكَةِ فَأَصَابَهَا الْعَجْزُ وَالْوَهَنُ.
كَانَ اللَّهُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَشْفِيَهُ بِدُونِ الْمَشْيِ وَالرَّكْضِ... وَلَكِنْ هَذَا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْأُمَّةِ بِأَنَّ شِفَاءَهَا مِنْ كُلِّ الْعِلَلِ هُوَ فِي الْحَرَكَةِ وَالْجُهْدِ لِدِينِ اللَّهِ.
أَبْسَطُ حَرَكَةٍ يَفْعَلُهَا الْإِنْسَانُ تَحْرِيكُ قَدَمَيْهِ.
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ وَلَوْ حَرَكَةً بَسِيطَةً... تَجَوَّلْ وَاطْرُقِ الْأَبْوَابَ لِلْهِدَايَةِ.
حَرِّكْ رِجْلَكَ ابْتِغَاءَ السَّبَبِ وَسَوْفَ تَرَى الْعَجَبَ.
مَا أَجْمَلَ الْجَوَابَ ﴿ارْكُضْ﴾، وَمَا أَجْمَلَ الدُّعَاءَ.
إِذَا مَسَّكَ الضُّرُّ... ارْكُضْ...!
ضَرْبَةُ قَدَمٍ مِنْ أَيُّوبَ الْمَرِيضِ كَفِيلَةٌ بِأَنْ تُفَجِّرَ عَيْنَ مَاءٍ فَوَّارَةٍ.
رَكَضَ، فَظَهَرَتْ عَيْنُ مَاءٍ بَارِدٍ فَاغْتَسَلَ بِهَا، فَعَادَ إِلَيْهِ جَمَالُهُ وَكَمَالُهُ.
أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ رَكْضٌ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَرِيضٍ غَيَّرَ بِهِ نَوَامِيسَ الْكَوْنِ فَتَفَجَّرَ مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ.
رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَتَفَجَّرَ مِنَ الْأَرْضِ مَاءٌ عَذْبٌ زُلَالٌ بَارِدٌ... هَذَا الْمَاءُ خَاصٌّ (دَوَاءٌ وَغِذَاءٌ وَشِفَاءٌ) وَطَهَارَةٌ وَنَقَاءٌ.
أَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ الْأَرْضَ بِقَدَمِهِ فَتَتَفَجَّرَ عَيْنٌ بَارِدَةٌ يَغْتَسِلُ مِنْهَا وَيَشْرَبُ فَيُشْفَى وَيَبْرَأُ.
قِيلَ: نَبَعَتْ لَهُ عَيْنَانِ فَاغْتَسَلَ مِنْ إِحْدَاهُمَا، وَشَرِبَ مِنَ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْغُسْلِ مِنْ ظَاهِرِ الْجَسَدِ، لِيَذْهَبَ بِهَذَا الْمَاءِ الْمُبَارَكِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ ﴿وَشَرَابٌ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَسْقَامٍ بَاطِنِيَّةٍ، فَكَانَ الشَّرَابُ لِيَكُونَ عِلَاجًا مِنْ تِلْكَ الْأَسْقَامِ.
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ فِي مُنَاجَاتِهِ: إِلَهِي قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ لِسَانِي قَلْبِي، وَلَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، وَلَمْ يُلْهِنِي مَا مَلَكَتْ يَمِينِي، وَلَمْ آكُلْ إِلَّا وَمَعِي يَتِيمٌ، وَلَمْ أَبِتْ شَبْعَانًا وَلَا كَاسِيًا وَمَعِي جَائِعٌ أَوْ عُرْيَانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ تَعَالَى ضُرَّهُ.