وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ مَعَ عَجْزِهِ كَانَ يَقُومُ بِالْعِبَادَاتِ، وَكَانَ يُؤَدِّيهَا بِالْمُسْتَطَاعِ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَرُبَّمَا حَرَكَةِ الْإِيمَاءِ فِي الصَّلَاةِ.
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾... مَهْمَا كَانَ أَلَمُكَ... لَا تَتَوَقَّفْ عَنْ نِدَاءِ رَبِّكَ.
مَعْنَى مَرَضِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أَعْظَمَ جُهْدٍ دَعْوِيٍّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةٍ.
سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَهُوَ مَرِيضٌ وَمَعَ هَذَا قَائِمٌ بِأَعْظَمِ جُهْدٍ.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، يَعْنِي أَكْمَلَ جُهْدٍ دَعْوِيٍّ فِي زَمَانِهِ.
كُلُّ قِصَّةِ نَبِيٍّ فِي الْقُرْآنِ مَقْصِدُهَا ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾.
جَاءَتْ قِصَّةُ أَيُّوبَ تُصَوِّرُ ابْتِلَاءَ اللَّهِ لِلْمُخْلِصِينَ مِنْ عِبَادِهِ بِالضَّرَّاءِ.
كُفَّارُ مَكَّةَ حَاصَرُوا النَّبِيَّ الْكَرِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَيُّوبَ حَاصَرَهُ الْمَرَضُ فَمَنَعَهُ مِنَ التَّجَوُّلِ.
الْعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ مَمْسُوسٌ، وَالْمَسُّ يَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾... حَدَّدَ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسَّ الشَّيْطَانِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ بِأَمْرَيْنِ هُمَا: مَسٌّ بِنُصْبٍ وَمَسٌّ بِعَذَابٍ.
النُّصْبُ: الدَّاءُ، وَالْعَذَابُ هُوَ شُعُورُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْوَاعِ الْمُعَانَاةِ الْجَسَدِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ.
أُصِيبَ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الْمَكْرُوهِ:
الْغَمُّ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ زَوَالِ الْخَيْرَاتِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ (النُّصْبُ).
وَالْأَلَمُ الْكَثِيرُ الَّذِي حَلَّ بِبَدَنِهِ بِسَبَبِ الْأَمْرَاضِ وَهُوَ (الْعَذَابُ).
التعديل: النص صحيح ومشكَّل بشكل جيد.
لَمْ يَنْسِبْ أَيُّوبُ الضُّرَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ جِهَةِ الْأَدَبِ مَعَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ.
لَا تَنْظُرْ إِلَى مَرَارَةِ الِابْتِلَاءِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى جَمَالِ الْمُبْتَلِي.
لَمْ يُفَصِّلْ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الدَّاءِ الَّذِي أَصَابَهُ، فَقَدِ اخْتَصَرَ مَا أَصَابَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ﴿الضُّرُّ﴾.
الصَّابِرُ لَا يَشْتَكِي.
ابْتَلَاهُ اللَّهُ فَصَبَرَ صَبْرًا جَمِيلًا.
كَانَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا.
أَهْلُ الْجُهْدِ عَلَيْهِمُ التَّحَلِّي بِالصَّبْرِ الَّذِي لَا تُخَالِطُهُ شَكْوَى وَلَا عَجْزٌ.
الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ هُمْ قُدْوَةٌ لِلنَّاسِ فِي الِابْتِلَاءَاتِ.
مَا وَقَعَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ يَكُونُ مَرْجِعِيَّةً لِكُلِّ مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ النَّاسُ.
الِابْتِلَاءَاتُ لِلْأَنْبِيَاءِ أَعْطَتْ دُرُوسًا وَعِبَرًا، تُمَثِّلُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى فِي الصَّبْرِ وَالتَّحَمُّلِ.
الرُّسُلُ لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ صِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ... وَهُمْ لَا يَدَّعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ، وَيَتَبَرَّءُونَ مِمَّا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ.
إِنَّمَا طَلَبَ أَيُّوبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الشِّفَاءَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَمَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ، خِيفَةً عَلَى قَوْمِهِ أَنْ يَفْتِنَهُمُ الشَّيْطَانُ بِمَا كَانَ يُوَسْوِسُ إِلَيْهِمْ بِهِ.
﴿مَسَّنِي الشَّيْطَانُ﴾: مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ أَنْ تُؤْمِنَ أَنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ الشَّرِّ مَا تَكُونُ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَلَوْ تَسَبَّبَ بِهَا الْكَافِرُ.
نَرْفُضُ كُلَّ مَا قِيلَ فِي التَّفَاسِيرِ مِنْ أَنَّ أَيُّوبَ انْصَرَفَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ إِلَى وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ فَدَعَا رَبَّهُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ﴾.
مَسُّ الضُّرِّ الْآخَرُ: هُوَ الْحِرْمَانُ مِنَ الْأَهْلِ.
كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ، وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ حَقٌّ وَعَدْلٌ.
لَا يَضُرُّ لِغَايَةِ الضَّرَرِ، وَلَكِنَّهُ يَضُرُّ لِغَايَةِ الْمَنْفَعَةِ وَالْفَائِدَةِ وَالْمَصْلَحَةِ.
الِاعْتِقَادُ وَالْإِقْرَارُ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ مِنْ مُتَمِّمَاتِ الْإِيمَانِ.
اصْطَفَى اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ، كَيْ يَأْخُذُوا بِأَيْدِي النَّاسِ نَحْوَ مَرْضَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ذَهَبَتْ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْرَاجَ الرِّيَاحِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا اللِّسَانُ الَّذِي يَلْهَجُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
اخْتَفَتْ أَصْوَاتُ الْأَوْلَادِ حَتَّى لَمْ يَعُدْ لَهَا صَدًى.
انْسَحَبَ الْكُلُّ مِنْ حَيَاتِهِ كَانْسِحَابِ الشَّعْرَةِ مِنَ الْعَجِينِ دُونَ أَنْ يَلْحَظَ ذَلِكَ.