وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42)
مَانْتِيجَةُ هَذَا اَلتَّوَجُّهِ أَثْنَاءَ اَلْجَوْلَةِ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾؟
اُسْتُجِيبَ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِ الْمُتَحَرِّكِ الدَّاعِي الرَّاغِبِ لِتَغْيِيرِ أَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ، وَهَكَذَا يُسْتَجَابُ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِ الْمُوَحِّدِ إِذَا تَحَرَّكَ لِهِدَايَةِ غَيْرِهِ.
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ أُحِيطَ بِهِ (لِلْمَجْهُولِ)، أَتَى لَهُ رَبُّهُ بِآفَاتٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى. فَهَذِهِ الْآفَاتُ كَانَتْ عِقَابًا لِكُفْرِهِ وَغُرُورِهِ بِنِعَمِ اللهِ، وَتَذْكِيرًا لَهُ بِأَنَّ النِّعَمَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَحْدَهُ.
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ وَلَمْ يَقُلْ بِزَرْعِهِ ، لِأَنَّ اَلْإِحَاطَةَ بِالثَّمَرِ اَلْقَرِيبِ قَطْفُهُ أَشَدّ عَلَى اَلنَّفْسِ مِنْ اَلزَّرْعِ اَلَّذِي هُوَ فِي أَوَّلِهِ .
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ تَلِفَتْ كُلَّ اَلثِّمَارِ نَتِيجَةِ اَلشِّرْكِ .
اسْتِكْبَارُ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ، وَرَفْضُهُ لِتَلْبِيَةِ دَعْوَةِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَتْ سَبَباً فِيمَا حَدَثَ لَهُ.
تَشْوِيشُ الْبِيئَةِ «بِيئَةِ الدُّنْيَا» عَلَى كَلَامِ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ، مِمَّا تَسَبَّبَ لَهُ فِي الصُّدُودِ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ. فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُنَقِّيَ قَلْبَهُ مِنْ هَذِهِ الْمُؤَثِّرَاتِ، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ مَغْرِورَاتِ الدُّنْيَا لِيَسْتَمِعَ إِلَى كَلَامِ اللهِ وَيَسْلُكَ طَرِيقَ الْهُدَى.
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾، كَانَتِ الْإِحَاطَةُ لَيْلاً ؛ لِقَوْلِهِ ﴿فَأَصْبَحَ﴾ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى فَأَصْبَحَ ، فَصَارَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَقْيِيدِ الْخَبَرِ بِالصَّبَاحِ.
﴿فَأَصْبَحَ﴾ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ اَلْإِهْلَاكَ جَرَى بِاللَّيْلِ .
سَقَطَ اَلْبَاطِلُ .
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ بَذَلَ اَلْكَثِير ، وَكَانَ اَلْمَآلُ اَلْخَرَابُ وَالنَّدَمُ .
أَكُفُّ حَائِرَةٌ وَبُسْتَانٌ ذَاوٍ .
"أَكُفُّ حَائِرَةٌ وَبُسْتَانٌ ذَاوٍ" .
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾، الْمُصَابَحَةُ بِالْمُصِيبَةِ أَنْكَى مَا يَكُونُ! ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾، يُرِيدُ يَضَعُ بَطْنَ إِحْدَاهُمَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى، وَذَلِكَ فِعْلُ الْمُتَلَهِّفِ الْمُتَأَسِّفِ عَلَى فَائِتٍ وَخَسَارَةٍ وَنَحْوِهَا.
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ اَللَّهُ قَادِرٌ عَلَى قَلْبِ اَلْمَوَازِينِ مَا بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا ، فَالْغَنِيُّ يَفْتَقِرُ ، وَالْفَقِيرُ يَغْتَنِي﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾: يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ظَهْراً لِبَطْنٍ، وَهِيَ فِعْلَةُ النَّادِمِ الْمُتَحَسِّرِ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فَاتَهُ، الْمُتَأَسِّفُ عَلَى فُقْدَانِهِ ، وَقِيلَ: يَصْفِقُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى .
تَقْلِيبُ اَلْكَفَّيْنِ حَرَكَةً يَفْعَلُهَا اَلْمُتَحَسِّرُ .
اَلتَّقْلِيبُ دَلِيلُ اَلْإِفْلَاسِ وَالْعَجْزِ وَالِاسْتِسْلَامِ .
قَوْلُهُ ﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ، يُرِيدُ أَنَّ السُّقُوفَ وَقَعَتْ، ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الْحِيطَانُ عَلَيْهَا، فَهِيَ خَاوِيَةٌ.
أَشْرَكَ هَذَا الْمَغْرُورُ بِدُنْيَاهُ، نَفْسُهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ وَثَنٌ يَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:23].
لَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ إِلَّا النَّدَمُ، وَلَا صَحَّ لَهُ مِنْ جَنَّتِهِ بَعْدَ عَظِيمِ تِلْكَ الْبَهْجَةِ سِوَى التَّلَاشِي وَالْعَدَمِ، وَهَذِهِ حَالُ مَن رَكَنَ [إِلَى مَا] سِوَى الْمَالِكِ سُبْحَانَهُ.
غَارَ الْمَاءُ، وَضَاعَ الثَّمَرُ .
﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾: كَأَنَّهُ قَالَ: فَأَصْبَحَ نَادِماً عَلَى ذَهَابِ مَا أَنْفَقَ فِي تَعْمِيرِ تِلْكَ الْجَنَّةِ ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾، وَنَلْحَظُ تَمَنِّيهِ انْتِفَاءَ الشِّرْكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الدُّنْيَا عَلَى جِهَةِ التَّوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ الْمُصِيبَةِ، وَفِي ذَلِكَ زَجْرٌ لِأَهْلِ الْأَحْوَالِ الْمُخَالِفَةِ؛ لِئَلَّا يَجِيءَ لَهُمْ حَالٌ يُؤْمِنُونَ فِيهَا بَعْدَ نِقَمٍ تَحُلُّ بِهِمْ.
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سَقَطَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، مُقَابَلَةً عَلَى بَغْيِهِ وَتَكَبُّرِهِ .
﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، قِيلَ: أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهَا نَاراً فَأَكَلَتْهَا فَتَذَكَّرَ مَوْعِظَةَ أَخِيهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ أُتِيَ مِنْ جِهَةِ شِرْكِهِ وَطُغْيَانِهِ، فَتَمَنَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكاً ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: هِيَ حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ الْمُعْرِضِ هَذِهِ الْمَقَالَة فِي الْآخِرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ قَالَهَا فِي الدُّنْيَا عَلَى جِهَةِ التَّوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ الْمُصِيبَةِ.
حِينَمَا هَلَكَتْ بَسَاتِينَهُ تَنَبَّهَ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
لَمَّا رَأَى اَلْمُعْرِضُ اَلْجَاحِدُ لَنِعَمِ اَللَّه مَادْهَاَهُ مِنْ جَرَّاءِ كُفْرِهِ اِلْتَجَأَ إِلَى أَنْ يَقُولَ ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾: سَكَتَ الْقُرْآنُ عَنْ حَالِهِ (هَلْ أَعْلَنَ تَوْبَتَهُ وَأُوبَتَهُ أَمْ لَا؟) لِيُبَيِّنَ لَكَ أَنَّ الْأَهَمَّ هُوَ الْجُهْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَيْسَتِ النَّتِيجَةُ. فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالْجُهْدُ فِي الدَّعْوَةِ هُمَا الْمَطْلُوبُ، وَأَمَّا النَّتِيجَةُ فَهِيَ بِيدِ اللهِ.
أَزَالَ الرَّبُّ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ مَا تَخَيَّلَ الْمَفْتُونُ بَقَاؤُهُ.
عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى حَقَائِقِ الْعَطَاءِ، وَلَا يَنْظُرَ إِلَى ذَاتِ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَنْعِ عَطَاءٌ، وَيَكُونُ الْمَنْعُ أَثْمَنَ مِنَ النِّعْمَةِ ذَاتِهَا.
تَمَادَى صَاحِبُ اَلْجَنَّتَيْنِ بِكُفْرِهِ حِينَمَا كَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ .... وَيَوْمَ أُحِيطَ بِثَمَرِه﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾، فِي هَذَا إِشَارَة إِلَى نَفْسِيَّةِ أَهْلِ اَلضَّلَالِ اَلَّتِي تَزْدَادُ تَعَالِياً وَاسْتِكْبَاراً بِوَفْرَةِ اَلْمَالِ وَالْجَاهِ . وَتَنْهَارُ وَتَضْعُفُ عِنْدَمَا يَزُولُ ذَلِكَ اَلْمُلْكُ وَالْجَاهُ .
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾، أَيْ أَهْلَكَ اللهُ مَالَهُ كُلَّهُ... وَهَذَا أَوَّلُ مَا حَقَّقَ اللهُ تَعَالَى بِهِ إِنْذَارَ أَخِيهِ. فَهَذَا يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْإِنْذَارَ وَالتَّحْذِيرَ مِنْ عَذَابِ اللهِ هُمَا مِنْ أَهَمِّ أَسَالِيبِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ.
لَقَدْ تَلَاشَتْ كُلّ مَظَاهِرِ اَلْأُبَّهَةِ وَالْعَظَمَةِ ، وَأَخْبَرَ اَلْقُرْآنُ اَلْكَرِيمُ بِأَنَّ دُعَاءَ اَلْمُؤَمِنِ اَلْمُتَجَوِّلِ قَدْ اُسْتُجِيبَ فَأَصْبَحَ ذَلِكُمْ اَلرَّجُلِ اَلْمُفَاخِر يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ وَأَدْرَكَ حِينِهَا اِنْهِيَارَ نِظَامِهِ اَلِاقْتِصَادِيِّ اَلَّذِي وَضَعَهُ .
عَضَّ بَنَانِ اَلنَّدَمِ حِينَمَا رَأَى فِعْل اَللَّهِ فِي نِظَامِهِ اَلِاقْتِصَادِيِّ .
﴿يَا لَيْتَنِي ﴾ ... نَدِمَ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعَهُ اَلنَّدَمُ .
﴿يَا لَيْتَنِي ﴾ ... لِقُصُورِ عَقْلِهِ وَاعْتِمَادِهِ عَلَى اَلْمُشَاهَدَاتِ .
لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ اَلْجَنَّتَيْنِ مُشْرِكًا بِاَللَّهِ كَعَامَّةِ اَلْمُشْرِكِينَ ، بَلْ بِالْعَكْسِ يُشْعِرُ أُسْلُوبَ اَلْقُرْآنِ بِأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ اَللَّهَ وَيُؤَمِنُ بِهِ فَقَدْ قَالَ : ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي ...........مُنْقَلِبًا ﴾
اِحْتَارَ أَهْلُ اَلتَّأْوِيلِ فِي تَحْدِيدِ نَوْعِ اَلشِّرْكِ اَلَّذِي كَانَ يَنْدَمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ اَلرَّجُلِ اَلْمُشْرِكِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ شِرْكُ اَلْأَسْبَابِ . .
قَدْ يَدُورُ فِي خَلَدِ اَلْبَعْضِ أَنَّ اَلْأَسْبَابَ لَهَا تَأْثِيرٌ وَإِرَادَةٌ وَفِعل .
نَوْعٌ جَدِيدٌ مِنْ اَلشِّرْكِ . . . . اسمُهُ شِرْكُ اَلْغَفْلَةِ .
أُصِيبَتْ اَلْأُمَّةُ بِنَوْعٍ جَدِيدٍ مِنْ اَلشِّرْكِ " شِرْكَ اَلْغَفْلَةِ " وَهُوَ تَوْظِيفُ كُلِّ شَيْءٍ لِلْأَسْبَابِ . .
اَلشِّرْكُ عَنْ طَرِيقِ اَلْغَفْلَةِ . . هُوَ شِرْكُ اَلْيَوْمِ اَلْمُسَيْطِرِ عَلَى اَلْأَذْهَانِ وَالْعُقُولِ .
اَلشِّرْكُ اَلَّذِي نَسَبَهُ إِلَيْهِ اَلْقُرْآنُ لَمْ يَكُنْ عِبَارَةً عَنْ عِبَادَةِ اَلْأَصْنَامِ ، وَلَكِنَّهُ شِرْكُ اَلْأَوْهَامِ وَالْخُرَافَاتِ اَلَّتِي سَيْطَرَتْ عَلَى ذِهْنِهِ بِأَنَّ دَوْرَ اَلْخَالِقِ قَدْ اِنْتَهَى عِنْدَ اَلْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ .
أَشْرَكَ بِاَللَّهِ اَلْأَسْبَابَ .
اعْتَقَدَ أَنَّ اَلْأَسْبَابَ هِيَ اَلْمُصَرِّفَةُ اَلْمُؤَثِّرَةُ اَلَّتِي يَرْجِعُ لَهَا اَلْفَضْلُ فِي رَخَائِهِ وَثَرَائِهِ وَكَثْرَةِ مَالِهِ ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا وَنَسِيَ اَللَّهُ .
هَذَا اَلنَّوْعُ " شِرْكُ اَلْأَسْبَابِ " هُوَ أَقْبَحُ أَنْوَاعِ اَلشِّرْكِ وَأَرْذَلهُ.
هَذَا اَلنَّوْعَ اَلْجَدِيدِ مِنْ اَلشِّرْكِ سَيْطَرَ عَلَى عَامَّةٍ اَلْعَقْلِيَّاتِ فِي زَمَانِنَا أَكْثَرَ مِنْ نَوْعِهِ اَلدَّقِيَانُوسِي اَلْقَدِيمَ .
اَلْقُوَى اَلْغَافِلَةُ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ تُمْلِي عَلَى اَلْبَشَرِيَّةِ رُؤىً وَأَفْكَارٍ وَمُعْتَقَدَاتٍ تَسَبَّبَتْ فِي اِنْحِرَافِ اَلْكَثِيرِ عَنْ جَادَّةِ اَلطَّرِيقِ .
هَذَا اَلْمُشْرِكِ فَقَدَ تَوْحِيدُ اَلِاسْتِعَانَةِ وَتَلَاشَتْ لَدَى أَفْرَادِهِ قِيمَةَ اَلدُّعَاءِ وَالْعِبَادَةِ .
اَلْعَقْلِيَّةُ اَلْمُشْرِكَةُ اَلَّتِي سَيْطَرَتْ عَلَى صَاحِبِ اَلبَسَاتين هَذَه تُصِرُّ عَلَى نِسْبَةِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى اَلْأَسْبَابِ .
هَذَا اَلشِّرْكُ هُوَ شِرْكُ اَلْمَلَاحِدَةِ ، وَالتَّعْبِيرُ اَلدَّقِيقُ عَنْهُمْ وَعَنْ عَقْلِيَّتِهِمْ لَيْسَ اَلْكُفْرُ بِاَللَّهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِغْفَالُ قُلُوبِهِمْ عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ . . أَيْ لَيْسَ هَؤُلَاءِ مُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اَللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أَغْفَلَ اَللَّهُ تَعَالَى قُلُوبهَمْ عَنْ ذِكْرِهِ .
لَايَخْطُرُ بِبَالِ اَلْبَعْضِ "كالملاحِدَةِ وَغَيرهِم " أَنَّ لِمَشِيئَةِ اَللَّهِ وَإِرَادَتِهِ تَأْثِيرٌ فِي اَلْكَوْنِ .
لَمْ يَسْتَطِعْ أصحَابُ هَذَا اَلشِّرْكِ اَلْجَدِيدِ أَنْ يُصَحِّحُوا مَسَارَهُمْ وَيُقَوِّمُوا عَقْلِيَّاتِهِمْ .
هَؤُلَاءِ الطَّبَائِعِيُّونَ، الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، يُرَدِّدُونَ أَنَّهُ لَمْ تَبْقَ حَاجَةٌ كَبِيرَةٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي تَدْبِيرِ هَذَا الْكَوْنِ. فَهَذَا الْاعْتِقَادُ يُنَاقِضُ الْإِيمَانَ بِاللهِ، فَالْكَوْنُ لَا يَسْتَمِرُّ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ.
ثَمَّةَ أُنَاسٌ لَا يُنْكِرُونَ أَنَّ اللهَ خَالِقُ الْكَوْنِ، وَلَكِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ هُمْ مَنْ صَنَعَ قَدْرَهُ وَبَنَى مَجْدَهُ... وَأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي الْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ. فَهَذَا الْاعْتِقَادُ يُنَاقِضُ الْإِيمَانَ بِاللهِ، فَالْإِنْسَانُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَقِّقَ النَّجَاحَ دُونَ تَوْفِيقِ اللهِ.
لَيْسَ اَلشَّأْنُ فِي اَلْأَسْبَابِ ؛ إِنَّمَا اَلشَّأْنُ كُلَّ اَلشَّأْنِ فِي خَالِق اَلْأَسْبَابِ وَمَالِكِهَا : ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلَتْ . . . ﴾
زِمَامُ اَلْأُمُورِ بِيَدِ اَللَّهِ تَعَالَى . . فَلَا غَرَابَةَ إِذَا اِنْقَلَبَت اَلْأَوْضَاع ، وَذَلِكَ اَلَّذِي كَانَ :﴿ وَلَوْلَا إِذْ . . . خَيْرُ عُقْبًا ﴾
الْأَسْبَابُ لَا تُعْطِي بِذَاتِهَا، وَلَكِنَّ وَرَاءَهَا دَائِمًا إِرَادَةُ المُسَبِّبِ.
أَنْتَ تَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِكَ، لَكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ – بِهَذَا المَنْعِ – قَدْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا تَحْتَاجُهُ.
الَّذِي أَعْطَاكَ هُوَ مَا أَعْطَاكَ، لَكِنَّ اللهَ أَعْطَاكَ بِهِ، وَالَّذِي مَنَعَكَ هُوَ مَا مَنَعَكَ، لَكِنَّ اللهَ مَنَعَكَ بِهِ.
لَا تُشْغِلْ نَفْسَكَ بِمَخْلُوقٍ لَا يَمْلِكُ شَيْئاً.
عُيُونُ القَلْبِ تَرَى الأَمْرَ الحَقِيقِيَّ أَنَّهُ أَمْرُ اللهِ.
اللهُ هُوَ الفَعَّالُ وَحْدَهُ -جَلَّ جَلَالُهُ-، هُوَ الصَّمَدُ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ، اللهُ قَادِرٌ أَنْ يُدَبِّرَ شُؤُونَ المَخْلُوقَاتِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ سَبَباً مِنَ الأَسْبَابِ.
اللهُ لَا يَحْتَاجُ لِلمَخْلُوقَاتِ لَا لِذَاتِهِ وَلَا لِمَخْلُوقَاتِهِ.
اللهُ خَلَقَ الأَشْيَاءَ وَالأَسْبَابَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ لَهَا.
اللهُ – سُبْحَانَهُ - غَنِيٌّ بِذَاتِهِ عَنْ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، غِنَاهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ بِوُجُودِ الأَشْيَاءِ، بَلْ غِنَاهُ بِذَاتِهِ -جَلَّ جَلَالُهُ-.
قَوْلُهُ :﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ﴾ اَلْمَعْنَى : أَنَّ اَلْمُؤَمِن ، لَمَّا قَالَ :﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قَالَ اَلْمُشْرِكُ : يَا لَيْتَنِي قُلْتُ كَذَلِكَ .
لَمَّا أَنْفَقَ عُمْرَهُ فِي تَحْصِيلِ اَلدُّنْيَا ، وَكَانَ مُعْرِضاً فِي عُمْرِهِ كُلِّهِ عَنْ طَلَبِ اَلدِّينِ ، ، بَقِيَ مَحْرُوماً عَنْ اَلدُّنْيَا وَالدِّينِ .