فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (65)
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ : وَ «الْعَبْدُ» هُوَ الْخَضِرُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِمُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ، وَخَالَفَ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ؛ فَقَالَ: لَيْسَ صَاحِبُ مُوسَى بِالْخَضِرِ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ آخَرُ، وَالْخَضِرُ نَبِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ هُوَ عَبْدٌ صَالِحٌ غَيْرُ نَبِيٍّ .
﴿فَوَجَدَا عَبْداً ﴾ ... مِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ اَلْمُعَلِّمِ اَلرَّحْمَةِ .
اجْتَمَعَ فِي الْخَضِرِ رَحْمَةٌ وَعِلْمٌ ...
الْعِلْمُ دُونَ رَحْمَةٍ دَمَارٌ، وَالرَّحْمَةُ دُونَ عِلْمٍ تُوقِعُ الْإِنْسَانَ فِي الْمَضَارِّ.
اَلْإِنْسَان كُلَّمَا اِتَّسَعَ عِلْمُهُ اِتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ .
يَجُوزُ فِي ضَبْطِ اِسْم « اَلْخضر » صَاحِبِ مُوسَى - عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ - وَجْهَانِ كَمَا فِي « لِسَانِ اَلْعَرَبِ » :
١. «الخِضْر» بِكَسْرِ الخَاءِ وَسُكُونَ الضَّادِ، وَيَرَى الجَوَهَرِيّ أَنَّ هَذَا أَفْصَح.
٢. «الخَضِر» بِفَتْحِ الخَاءِ وَكَسرِ الضَّادِ.
سُمِّي « اَلْخِضْر » لِأَنَّهُ إِنْ جَلَسَ فِي مَكَانٍ اخْضَرَّ ، وَقِيلَ سُمِّيٌّ « اَلْخَضِرْ » لِحُسْنِهِ وَإِشْرَاقِ وَجْهِهِ تَشْبِيهاً بِالنَّبَاتِ اَلْأَخْضَرِ اَلْغَضِّ .
﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾وَرَدَتْ كَلِمَةُ «عِبَادٍ» حَوَالَيْ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾مِنْ أَسْمَى مَرَاتِبِ اَلشَّرَفِ لِلْبَشَرِ : اَلْعُبُودِيَّةُ .
الْعُبُودِيَّةُ: إِظْهَارُ التَّذَلُّلُ، وَالْعِبَادَةُ: غَايَةُ التَّذَلُّلِ.
﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ قَذَفْنَاهُ فِي قَلْبِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، قُدِّمَتِ الرَّحْمَةُ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْأَسَاسُ ، وَالرَّحْمَةُ الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا هِيَ الْوَحْيُ وَالنُّبُوَّةُ .
الرَّحْمَةُ فِي نَفْسِ السُّورَةِ تَفِيءُ بِظِلَالِهَا فِي قِصَصِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ.
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، اَلْعِلْمُ يُوَرِّثُ رَحْمَةَ اَلْخَلْقِ .
اَلْعَالِمُ رَحْمَةٌ لِلْأُمَّةِ وَالْجَاهِلُ نِقْمَةٌ عَلَيْهَا .
هَلْ نَحْنُ مِنْ أُمَّةِ الرَّحْمَةِ أَمْ مِنْ أُمَّةِ الْمَعْلُومَةِ .؟ إِذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً دُونَ رَحْمَةٍ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ رَبَّانِياً.
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ﴾ ... أَيْ رَحْمَةٌ صَدَرَتْ مِنْ مَكَانِ اَلْقُرْبِ ، أَيْ اَلشَّرَفِ وَهُوَ قُرْبُ تَشْرِيفٍ بِالِانْتِسَابِ إِلَى اَللَّهِ ، وَهَذَا لَا يُعْطَى إِلَّا لِلْمُصْطَفينَ اَلْأَخْيَارِ .
فَكِر النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هِدَايَةَ الْخَلْقِ، وَفِي قَلْبِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الرَّحْمَةَ.
أَيُّ شَيْءٍ يَأْتِي فِي قَلْبِكَ عَلَى الْآخَرِينَ هَذَا حَاجِبٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ.
كَانَ عِلْمُ اَلْخِضْرِ مَمْزُوجاً بِالرَّحْمَةِ .
لَوْ لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ الرَّحْمَةَ فَإِنَّ عِلْمَكَ سَيَكُونُ سَبَبًا لِصَدِّ الْآخَرِينَ، وَلَيْسَ لِجَلْبِهِمْ، وَإِذَا كُنْتَ تَمْلِكُ رَحْمَةً فَإِنَّ عِلْمَكَ سَيَكُونُ سَبَبًا لِجَلْبِ الْآخَرِينَ لِلدِّينِ.
الرَّحْمَةُ إِذَا فَاضَتْ عَلَى الْعَبْدِ قَبْلَ الْعِلْمِ كَانَتْ سَبَبًا لِقَبُولِ الْعِلْمِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنَّ الْآخَرِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ قَبُولَ الْعِلْمِ مِنْهُ.
تَحَمَّلَ الْخِضْرُ مُوسَى بِسَبَبِ مَا آتَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحْمَةِ.
تَرَدَّدَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ فِي السُّورَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ:﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف: 10]﴿يَنْشُرُ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف: 16]﴿رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: 58]﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف: 65]﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 81]﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82] ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98]. فَهَذَا يُعْلِنُ عَنْ أَهَمِّيَّةِ الرَّحْمَةِ فِي الْإِسْلَامِ.
جَنَاحَا الطَّيَرَانِ وَالتَّحْلِيقِ فِي سَمَاءِ الْأُمَّةِ، الَّذِي يَبْتُرُ أَحَدَهُمَا لَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَطِيرَ! جَنَاحَا الرَّحْمَةِ وَالْخُلُقِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 107]، وَالْآخَرُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [الْقَلَمِ: 4]. فَهَذَا يُعْلِنُ عَنْ أَهَمِّيَّةِ الرَّحْمَةِ وَالْأَخْلَاقِ فِي بِنَاءِ الْأُمَّةِ.
لَوْ أُعْطِيَ لِكُلِّ عَبْدٍ جَنَاحَانِ لَطَارَ ، وَالطَّائِرُ إِذَا طَارَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى اصْطِيَادِهِ، أَنْ يُؤْذِيَهُ، أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ابْتَعَدَ بِالْأَجْوَاءِ عَنْ كُلِّ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ. وَهَكَذَا الْمُؤْمِنُ إِذَا حَمَلَ فِي جَوَانِحِهِ الْأَخْلَاقَ وَالرَّحْمَةَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مِنْ نِعْمِهِ عَلَى اَلْخِضْرِ تَعْلِيمَهُ ، وَمَا آتَاهُ مِنْ رَحْمَتِهِ .
﴿فَوَجَدَا ﴾ تَعْبِيرٌ قُرْآنِيٌّ ، فِيهِ إِيحَاءٌ بِأَنَّهُ وَجَدَه بَعْدَ فَقدْ ، وَبَحَثَ عَنْهُ بِشَغَفٍ وَتَلَهُّفٍ ، وَتَحَمُّلِ كُلِّ تَعَبٍ لِلظَّفَرِ بِلِقَائِهِ ، وَالْمُثُولُ بَيْنَ يَدَيْهِ .
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اَلْبَحْثَ عَنْ مُرْشِدٍ يَدُلُّكَ عَلَى اَللَّهِ مَقْصِدٌ عَظِيمٌ تُبْذَلُ مِنْ أَجْلِهِ أَنْفَسُ اَلْأَوْقَاتِ وَتَهَونُ دُونهُ اَلْمَصَاعِبُ .
اَلَّذِي يَحْمِلُ عَوَاطِفَ اَلْمُوَاسَاةِ لِلْخَلْقِ وَالنُّصْحِ لَهُمْ فَلَرُبَّمَا أَنَّهُ يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ قِيَادِيّاً مُخْلِصاً لِأُمَّةٍ مِنْ اَلْأُمَمِ .
كَانَ يَعْمُرُ قَلْبَ اَلْخَضرْ عَوَاطِفَ اَلرَّحْمَةِ بِالْخَلْقِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالنُّصْحِ لَهُمْ وَالْعَطْفِ عَلَيْهِمْ ، وَهَذَا هُوَ اَلْمَطْلُوبُ مِنْ كُلِّ فَرْدِ مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ .
﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ أَيْ: مِنْ عِنْدِنَا، أَيْ: مِمَّا يَخْتَصُّ بِنَا مِنَ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْغُيُوبِ. قِيلَ: وَقَدْ أُولِعَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى الصَّلَاحِ بِادِّعَاءِ هَذَا الْعِلْمِ، وَيُسَمُّونَهُ الْعِلْمَ اللَّدُنِّيَّ.
”عِنْدَ“ في لِسانِ العَرَبِ لِما ظَهَرَ ، و”لَدُنْ“ لِما بَطَنَ.
جَعَلَ اَللَّهُ قَلْبَهُ يُضِيءُ بِضِيَاءٍ مِنْ اَلْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ اَلْمُبَاشِرَةِ .
اَلنَّمَاذِجُ اَلْعَمَلِيَّةُ لِدَرْسِهِ اَلْعِلْمِيِّ تَشْهَدُ لِلْخضَرِ بِهَذَا اَلْعِلْمِ " اَللَّدُنْيِّ " اَلَّذِي كَانَ يَتَمَتَّعُ بِهِ.
قِيلَ إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ سَأَلَ رَبُّهُ أَيّ عِبَادَكَ أَحَبَّ إِلَيْكَ قَالَ اَلَّذِي يَذْكُرُنِي وَلَا يَنْسَانِي قَالَ فَأَيُّ عِبَادِي أَقْضِي . . قَالَ اَلَّذِي يَقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يَتْبَعِ اَلْهَوَى قَالَ فَأَيُّ عِبَادكَ أَعْلَمَ . ؟ قَالَ اَلَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ اَلنَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ عَسَى أَنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلَى هُدىً أَوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدى .