قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً (64)
﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ احْمِلْ زَادكَ وَعِنْدَمَا تَفْقِدَهُ فَثَمَّ أُسْتَاذكَ .
﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾: قَالَ ذَلِكَ فَرَحًا بِبُلُوغِ الْمَقْصَدِ.
﴿ذَلِكَ﴾ أَيْ فُقْدَانُ الْحُوتِ ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أَيْ هُوَ الَّذِي كَنا نَطْلُبُهُ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ إيجاد الْمَقْصُودِ ﴿فَارْتَدَّا﴾ أَيْ رَجَعَا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ﴾ أَيْ آثَارِ سَيْرِهِمَا .
﴿ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ أَيْ رَجَعَا مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَاهُ يَقْتَصَّانِ الْأَثَرَ .
نَسِيَ اَلْغَدَاءُ . . ! ! اَلْغَدَاءُ حَاجَةٌ وَالْعِلْمُ مَقْصِد . . . فَفَرِحَ وَقَالَ ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ .
فَرِحَ فَرَحاً لَايعَلْمُهْ إِلَّا اَللَّهُ ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي أَشَدِّ اَلْحَاجَةِ لِلْأَكْلِ .
"مَشَى مُوسَى إِلَى الْمُنَاجَاةِ، فَبَقِيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَعَامٍ، وَلَمَّا مَشَى إِلَى بَشَرٍ لَحِقَهُ الْجُوعُ فِي بَعْضِ يَوْمٍ."
رِحْلَةُ مُوسَى لِلَّحَاقِ بِالْعَبْدِ اَلصَّالِحِ رِحْلَةٌ مُهِمَّة . . . رِحْلَةٌ لَيْسَتْ كَبَاقِي الرِّحْلَاتِ، رِحْلَةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ سُلُوكَ سُبُلِ الْهِدَايَةِ.
رِحْلَةٌ فِيهَا سَبْرُ أَغْوَارِ الْعِلْمِ.
فِي هَذَا مِنَ اَلْفِقْهِ اِغْتِنَامُ لِقَاءِ اَلْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَإِنْ كَانُوا فِي بُلْدَانٍ مُتَبَاعِدَةٍ .
إِنَّ هَذَا اللِّقَاءَ فِيهِ تَحْدِيدٌ لِلْعِلْمِ الَّذِي يَحْمِلُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَكِلَاهُمَا عَلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ وَمَكَانَةٍ سَامِيَةٍ مِنَ الْعِلْمِ خَاصَّةً عِلْمَ النُّبُوَّةِ، فَهُوَ أَعْلَى الْعُلُومِ.
"قَدْ يَتَرَاءَى لِلْبَعْضِ أَنَّ عِلْمَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ أَعْلَمُ مِنْ عِلْمِ مُوسَى، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ، ذَلِكَ أَنَّ عِلْمَ النُّبُوَّةِ هُوَ أَعْلَى الْعُلُومِ."
مَا أَجْرَأَ الْإِنْسَانَ فِي ادِّعَائِهِ أَنَّهُ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ..!
مَهْمَا امْتَلَكَ الإنسان مِنْ عِلْمٍ، وَمَهْمَا كَانَتْ مَنْزِلَتُهُ فَإِنَّ عِلْمَهُ يَبْقَى فِي دَائِرَةٍ مَحْدُودَةٍ ضَيِّقَةٍ.
"الْعِلْمُ هُوَ نُورُ اللَّهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ يَهْتَدِي بِهِ إِلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ يَفْقِدُونَ أَدَبَ الطَّلَبِ، مَنْ يُحْرَمْ أَدَبَ الطَّلَبِ يُحْرَمُ الْعِلْمَ، بَلْ وَيُحْرَمُ الْخَيْرَ كُلَّهُ."
اَللَّهُ تَعَالَى كَانَ أَعْلَمَ مُوسَى حَالَ هَذَا اَلْعَالِمِ ، وَمَا أَعْلَمَهُ بِمَوْضِعِهِ بِعَيْنِهِ .
هَذَا إخْبَارٌ مِنْ مُوسَى أَنَّهُ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى تَحَمُّلِ اَلتَّعَبِ اَلشَّدِيدِ ، وَالْعَنَاءِ اَلْعَظِيمِ فِي اَلسَّفَرِ ؛ لِأَجَلِ طَلَبِ اَلْعِلْمِ .
يَعُودُ مُوسَى إِلَى مَكَانِهِ اَلْأَوَّلِ مُتَتَبِّعاً خُطُوَاتِهِ قَبْلَ أَنْ تَنْمَحِيَ وَتَزُول لِيَلْحَق بِإِشَارَتِهِ قَبْلَ فَوَاتِهَا .
قَصّ اَلْأَثَرِ وَالِارْتِدَاد إِلَى اَلْخَلْفِ لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْ اَلسَّابِقِينَ وَلِتَصْحِيحِ اَلْأَخْطَاءِ وَمُرَاجَعَةِ اَلطَّرِيقِ .
﴿فارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ رَمْلاً.
﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾: رَجَعَا يَقُصَّانِ أَثَرَهُمَا؛ لِئَلَّا يُخْطِئَانِ طَرِيقَهُمَا.
الْقَصَصُ: الْأَثَرُ. الْقَصُّ: تَتَبُّعُ الْأَثَرِ، يُقَالُ: قَصَصْتُ أَثَرَهُ.
مُوسَى لَمْ يُخْبِرْ فَتَاهُ عَنْ سَبَبِ الذَّهَابِ إِلَى مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ.
اِخْتَفَى ذِكْرُ اَلْخَادِمِ يُوشَعْ ، لِأَنَّ اَلْمُتَعَلِّمَ إِنْ لَمْ يَخْدِمَ نَفْسَهُ ، بَلْ وَيَخْدِمُ اَلْآخَرِينَ فَقَدَ لَايْنَالْ حَقِيقَةَ اَلْعِلْمِ .