وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (58)
لَمَّا دَنَا وَقتُ المُلَاقَاةِ ابتَلَى اللهُ الخَلقَ بِبَلَاءِ القَحطِ.
رُقعَةُ الشِّدَّةِ كَانَت شَاسِعَةً.
مَجِيءُ إِخوَةِ يُوسُفَ مِنَ الدِّيَارِ الكَنعَانِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى اتِّسَاعِ دَائِرَةِ المَجَاعَةِ.
وَدَارَت عَجَلَةُ الزَّمَنِ، وَطَوَى السِّيَاقُ دَورَاتِهَا بِمَا كَانَ فِيهَا طَوَالَ سَنَوَاتِ الرَّخَاءِ.
دَارَ الزَّمَانُ دَورتَهُ وَوَصَلَتِ المَجَاعَةُ وَنَقص الغِذَاءِ إِلَى الأَقطَارِ الَّتِي حَولَ مِصرَ، حَتَّى وَصَلَت إِلَى أَرضِ كَنعَانَ حَيثُ يُقِيمُ أَهلُهُ.
جَاءَ النَّاسُ مِن شَتَّى الأَقطَارِ إِلَى مِصرَ طَلَبًا لِلنَّجدَةِ وَالغِذَاءِ.
صَارَت مِصرُ مَحَطَّ أَنظَارِ جِيرَانِهَا وَمَخزَنَ الطَّعَامِ فِي المِنطَقَةِ كُلِّهَا.
كَانَ فِي جُملَةِ مَن وَرَدَ لِلمِيرَةِ إِخوَةُ يُوسُفَ.
لَمَّا خَلَتِ السِّنُونُ المُخصِبَةُ قَدِمَ إِخوَتُهُ فِيمَن قَدِمَ عَلَيهِ مِنَ النَّاسِ.
لَمَّا مَضَتِ السَّبعُ السِّنِينَ المُخصِبَةُ، ثُمَّ تَلَتهَا سِنُونُ الجَدبِ، جَاءَ إِخوَةُ يُوسُفَ مُرغَمِينَ إِلَى مِصرَ يَبحَثُونَ عَنِ الطَّعَامِ.
أَرسَلَ يَعقُوبُ بَنِيهِ إِلَى مِصرَ، وَأَمسَكَ بِنيَامِينَ عِندَهُ.
فَاقَةٌ شَدِيدَةٌ أَتَت بِهِم، وَجَائِحَةٌ نَزَلَت بِبِلَادِهِم وَأَرزَاقِهِم فِي فِلسطِينَ.
لَم يَبرُزِ السِّيَاقُ المَلِكَ وَلَا أَحَدًا مِن رِجَالِهِ بَعدَ ذَلِكَ فِي السُّورَةِ كُلِّهَا، كَأَنَّ الأَمرَ كُلَّهُ قَد صَارَ لِيُوسُفَ، الَّذِي اضطَلَعَ بِالعِبءِ فِي الأَزمَةِ الخَانِقَةِ الرَّهِيبَةِ.
أَبرَزَ يُوسُفَ وَحدَهُ، وَسَلَّطَ عَلَيهِ كُلَّ الأَضوَاءِ.
﴿وَجَاءَ﴾ زَمَنُ القَحطِ ﴿إِخوَةُ يُوسُفَ﴾ العَشرَةُ لِلمِيرَةِ.
﴿فَدَخَلُوا عَلَيهِ﴾ كَانَ يُبَاشِرُ الأُمُورَ بِنَفسِهِ.
﴿فَدَخَلُوا عَلَيهِ﴾ كَانَ يُرَاقِبُ أَمرَ بَيعِ الطَّعَامِ بِنَفسِهِ.
﴿فَدَخَلُوا عَلَيهِ﴾ جُلُوسُ يُوسُفَ لِلنَّاسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُتَابِعُ فِي مِصرَ الأُمُورَ كُلَّهَا.
﴿فَدَخَلُوا عَلَيهِ﴾ سِيَاسَةُ البَابِ المَفتُوحِ لِكُلِّ النَّاسِ.
﴿فَعَرَفَهُم وَهُم لَهُ مُنكِرُونَ﴾ بَدَا أَمَامَهُم بِشَخصِيَّتِهِ العَادِيَّةِ.
﴿فَعَرَفَهُم﴾ عَرَفَ يُوسُفُ إِخوَتَهُ بَعدَ مَضِيِّ سِنِينَ عَلَى فِرَاقِهِم ﴿وَهُم لَهُ مُنكِرُونَ﴾.
عَرَفَ يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلَامُ إِخوَتَهُ بَعدَ مُضِيِّ سِنِينَ عَلَى فِرَاقِهِم لِقُوَّةِ فِرَاسَتِهِ.
قِيلَ: كَانَ يُوسُفُ مُلَثَّمًا أَبَدًا سَترًا لِجَمَالِهِ.
﴿وَهُم لَهُ مُنكِرُونَ﴾ لَم يَعرِفُوهُ لِطُولِ العَهدِ وَمُفَارَقَتِهِم إِيَّاهُ فِي سِنِّ الحَدَاثَةِ وَنِسيَانِهِم إِيَّاهُ وَتَوَهُّمِهِم أَنَّهُ هَلَكَ.
﴿وَهُم لَهُ مُنكِرُونَ﴾ لِتَبدُلِ وَاختِلَافِ زِيِّهِ، وَقِيلَ لَربَّمَا أَنَّهُ كَانَ يُكَلِّمُهُم مِن وَرَاءِ حِجَابٍ، أَو لِطُولِ المُدَّةِ وَهِيَ: أَربَعُونَ سَنَةً.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ بَينَ أَن قَذَفُوهُ فِي البِئرِ وَبَينَ أَن دَخَلُوا مِصرَ أَربَعِينَ سَنَةً فَلِذَلِكَ أَنكَرُوهُ.
هُوَ كَانَ مَهمُومًا لِهِدَايَتِهِم وَصَلَاحِهِم، فَبِسَبَبِ فِكرِهِ جَاءَ اللهُ بِهِم مِنَ البَادِيَةِ.
هُم هُم لَم يَتَغَيَّرُوا كَثِيرًا.
لَم يَكشِف شَخصِيَّتَهُ مُنذُ اللِّقَاءِ الأَوَّلِ.
لَو كَشَفَ شَخصِيَّتَهُ مُبَاشَرَةً لَمَاتُوا غَيظًا وَحَنَقًا وَحَسَدًا.
مِنَ الحِكمَةِ مُعَالَجَةُ المَرضِ رُوَيدًا رُوَيدًا.
إِصلَاحُ الخَطَأِ فِي نَفسِ الوَقتِ هُوَ الخَطَأُ.