أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
مَثَلٌ يَضْرِبُهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْضًا كَيْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ الدِّينِ وَجُهْدَ الدِّينِ.
هَؤُلَاءِ يَنْتَقُونَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ مَا يُحِبُّونَ وَيَشْتَهُونَ، وَيَتْرُكُونَ مَا تَتَثَاقَلُ عَنْهُ نُفُوسُهُمْ وَتَأْبَاهُ أَهْوَاؤُهُمْ وَأَمْزِجَتُهُمْ.
الْآيَةُ سِيقَتْ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ تَمَرُّدِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ.
اسْتَعْمَلُوا طَرِيقَ الْمُكَابَرَةِ.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ضَلَالَهُمْ عَلَى عِلْمٍ.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ حَالِهِمْ وَسُوءِ صَنِيعِهِمْ.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي حَظًّا لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بَعْضَ مَا فِيهِ.
الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ إِتْيَانُهُمْ هَذَا النَّصِيبَ وَهَذَا الْحَظَّ مِنَ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ حَامِلًا لَهُمْ عَلَى الْهِدَايَةِ، وَلَكِنَّهُمْ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- اسْتَكْبَرُوا.
الْمُرَادُ بِـ ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾: دُعِيَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، فَأَبَوْا.
الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْقُرْآنُ، دُعُوا إِلَيْهِ لِأَنَّ مَا فِيهِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْعَمَلِ لِلدِّينِ.
أَرَأَيْتَ أَعْجَبَ مِنْ حَالِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ حَظًّا مِنَ الْكِتَابِ فَعَلِمُوا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، يُدْعَوْنَ إِلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ -وَهُوَ الْقُرْآنُ- لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ أَهْوَاءَهُمْ يَأْبَى كَثِير مِنْهُمْ حُكْمَ اللَّهِ، لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهِمُ الْإِعْرَاضَ عَنِ الْحَقِّ؟
﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ الْمَعْنَى: يُدْعَوْنَ إِلَى اتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَالنَّظَرِ فِي مَعَانِيهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فَيَأْبَوْنَ.
﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ الْمُرَادُ بِـ (كِتَابِ اللَّهِ) هَهُنَا: الْقُرْآنُ، وَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْقُرْآنَ حَكَمًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَكَمَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلَالَةِ، فَأَعْرَضُوا عَنْهُ.
الْمُرَادُ هِدَايَتُهُمْ إِلَى فَهْمِ مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافًا وَاقِعًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، لَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ بِأَنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَضْرَابِهِ وَعَادَاهُمُ الْآخَرُونَ.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قِيلَ: أَيْ لِيَفْصِلَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ حَيْثُ وَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ فِي الدِّينِ الْحَقِّ.
فِي الْآيَةِ تَحْذِيرٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَلَوْ بِأَنْ يُدْعَى أَحَدُهُمْ مِنْ حَسَنٍ إِلَى أَحْسَنَ مِنْهُ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ مَعْنَاهُ: يَتَوَلَّوْنَ عَنِ الدَّاعِي وَيُعْرِضُونَ عَمَّا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ يَتَوَلَّوْنَ بِأَبْدَانِهِمْ وَيُعْرِضُونَ عَنِ الْحَقِّ بِقُلُوبِهِمْ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ تَوَلِّيهِمْ وَإِعْرَاضُهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فِي غَايَةِ التَّعَصُّبِ وَالْبُعْدِ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ.
تَوَلِّيهِمْ مُسْتَمِرٌّ فِي أَزْمَانٍ كَثِيرَةٍ، وَالْإِتْيَانُ بِالْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّجَدُّدِ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ لَرُبَّمَا أَنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا عُلَمَاؤُهُمْ وَالَّذِينَ أَعْرَضُوا أَتْبَاعُهُمْ.
خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّوَلِّي فَرِيقًا دُونَ الْكُلِّ، لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَوَلَّ كَابْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو الْيَهُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ ذَلِكَ.
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: وَهُمْ قَوْمٌ دَيْدَنُهُمُ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْبَاطِلِ.
لَا يَزَالُ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ مِنْ شَأْنِهِمْ وَعَادَتِهِمْ.