ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ عَدَدُ الْأَيَّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيهَا الْعِجْلَ.
جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا نُعَذَّبُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، عَبَدَ آبَاؤُنَا فِيهَا الْعِجْلَ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ ذَلِكَ فِرْيَةٌ مِنْهُمْ.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ وَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى قِلَّةِ الْعَذَابِ وَقِصَرِ مُدَّتِهِ، فَتَجَاسَرُوا عَلَى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ.
كَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي أُصُولِ الدِّينِ.
﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ غَرَّهُمْ قَوْلُهُمْ: نَحْنُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتَ عَلَى الْبَاطِلِ.
انْخَدَعُوا فِي دِينِهِمْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ.
اعْتِقَادُهُمُ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ جَرَّأَهُمْ عَلَى ارْتِكَابِ مِثْلِ هَذَا الْإِعْرَاضِ.
مِنْ جُمْلَةِ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [الْبَقَرَة: ٨٠]، وَكَانُوا أَيْضًا يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَ يَعْقُوبَ أَلَّا يُعَذِّبَ أَبْنَاءَهُ.
جَاءَ -هُنَا- «مَعْدُودَاتٍ» بِصِيغَةِ الْجَمْعِ -وَفِي الْبَقَرَةِ «مَعْدُودَةً»- تَفَنُّنًا فِي الْبَلَاغَةِ.
مِنَ الْغُرُورِ أَنْ يَظُنَّ الْمُنْتَمِي إِلَى دِينِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ يَنْجُو مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ بِمُجَرَّدِ الِانْتِمَاءِ.
هَذِهِ الدَّعْوَى الْيَهُودِيَّةُ مَا هِيَ إِلَّا فِرْيَةٌ افْتَرَاهَا عُلَمَاؤُهُمْ لِيُهَوِّنُوا عَلَيْهِمْ ارْتِكَابَ الْجَرَائِمِ وَغِشْيَانَ عَظَائِمِ الذُّنُوبِ.
افْتَرَوْا هَذَا الْقَوْلَ فَظَنُّوهُ حَقِيقَةً.
اجْتَرَأُوا عَلَى الْعَظَائِمِ لِاسْتِهَانَتِهِمْ بِالْعَذَابِ لِاسْتِقْصَارِهِمْ لِمُدَّتِهِ.
اعْتِقَادٌ زَائِغٌ وَطَمَعٌ فَارِغٌ.
لَمْ يُبَالُوا بِارْتِكَابِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ... لَمْ يَنْزَجِرُوا عَنِ الْمَحَارِمِ.
﴿وَغَرَّهُمْ﴾ قَالَ الْحَرَّالِيُّ: مِنَ الْغُرُورِ وَهُوَ إِخْفَاءُ الْخِدْعَةِ فِي صُورَةِ النَّصِيحَةِ.
﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ مَا تَقَوَّلُوهُ عَلَى الدِّينِ وَأَدْخَلُوهُ فِيهِ.
مُوجِبُ اغْتِرَارِهِمْ طُولُ الْإِمْهَالِ.
يَتَجَرَّأُ بَعْضُهُمْ عَلَى الدِّينِ بِمَا يُوَافِقُ هَوَاهُ حَتَّى يَغْتَرَّ بِأَنَّ بَاطِلَهُ الَّذِي قَرَّرَهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يُمْكِنُ إِقْنَاعُ النَّاسِ بِهِ.
غَرُّوا أَنْفُسَهُمْ وَخَدَعُوا عَوَامَّهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ الْكَاذِبِ الْمُفْتَرَى.
مَنَّوْا أَنْفُسَهُمْ وَغَرَّهُمْ أَنَّ مَآلَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ... آمَالُهُمْ مُجَرَّدُ كَذِبٍ وَافْتِرَاءٍ.
الْغُرُورُ هُوَ الطَّمَعُ فِيمَا لَا يَصِحُّ وَلَا يَحْصُلُ.