اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)
آنَسَهُ بِذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَحَالِ الْمُقَرَّبِينَ الْأَصْفِيَاءِ.
قِصَصُ الْأَنْبِيَاءِ لِتَثْبِيتِ الْقُلُوبِ.
فِي دَعْوَتِكَ إِلَى اللَّهِ سَتَسْمَعُ مَا يُؤْذِيكَ... عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ وَاسْتَعِنْ عَلَى ذَلِكَ بِأَحْوَالِ مَنْ سَبَقُوكَ.
﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾، أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدَّعْوَةِ.
﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾، كُلُّهُمْ -عَلَيْهِمُ الصَّلَوَاتُ وَالتَّسْلِيمَاتُ- سَارَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ... كُلُّهُمْ عَانَى... كُلُّهُمُ ابْتُلِيَ... كُلُّهُمْ صَبَرَ... كَانَ الصَّبْرُ هُوَ زَادَهُمْ وَزُوَّادَهُمْ.
حَيَاتُهُمْ كَانَ الصَّبْرُ قِوَامَهَا، وَكَانَ هُوَ الْعُنْصُرَ الْبَارِزَ فِيهَا.
صَفَحَاتٌ مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالصَّبْرِ مَعْرُوضَةٌ لِلْبَشَرِيَّةِ.
نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ وَهُمْ يُشْتَمُونَ وَيُضْرَبُونَ وَيُؤْذَوْنَ.
﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾... ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾أَمَرَ أَنْ يَتَقَوَّىٰ عَلَى الصَّبْرِ بِذِكْرِ قُوَّةِ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْجُهْدِ وَالدَّعْوَةِ وَالْعِبَادَةِ.
﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ سُورَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ أَجْلِ ﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾.
﴿وَاذْكُرْ﴾ إِخْوَتَكَ مِنَ الرُّسُلِ وَالصِّلَةِ الْقَوِيَّةِ الْوَثِيقَةِ الَّتِي تَرْبُطُكَ بِهِمْ، وَمِنْهُمْ دَاوُودُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ مَتَىٰ شِئْنَا جَعَلْنَا الْأُمَّةَ كُلَّهَا تُسَخَّرُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَلَا تَيْأَسْ مِنْهُمْ عَلَىٰ صَلَابَةِ عُقُولِهِمْ وَشِدَّةِ نُفْرَتِهِمْ مِنَ الْحَقِّ.
الْمَعْنَىٰ:﴿اصْبِرْ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ الْآنَ، فَلَنَنْصُرَنَّكَ فِيمَا يَأْتِي مِنَ الزَّمَانِ، وَلَنُؤَيِّدَنَّكَ كَمَا أَيَّدْنَا دَاوُودَ الْعَظِيمَ الشَّأْنِ.
﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ فَإِنَّ أَمْرَهُمْ أَيْسَرُ!!
أَحْيَانًا هَوَاكَ اللَّطِيفُ وَحُبُّكَ لِلْجُهْدِ لِلدِّينِ، وَغَيْرَتُكَ عَلَىٰ أَهْلِ الدِّينِ تَجْعَلُكَ لَا تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ.
لَا تَأْخُذْكَ الْعَوَاطِفُ الْإِيمَانِيَّةُ فِي الْحَيْدَةِ عَنْ أُصُولِ الدَّعْوَةِ.
إِيذَاؤُهُ لَكَ لَا يَسْتَنْزِفُ عَوَاطِفَ حُبِّ الْخَيْرِ لَهُ.
نَنْظُرُ إِلَىٰ حَسَنَاتِ النَّاسِ... لَا نَتَأَثَّرُ مِنْ عُيُوبِهِمْ.
كَمْ عَظُمَتْ صَبْرُ عِنْدَ اللَّهِ عَلَىٰ كَلَامِ السَّفِيهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَىٰ اللَّهِ..؟
كُلُّ الْآيَاتِ فِي الدَّعْوَةِ تَأْمُرُ بِالصَّبْرِ "مِنْهَاجٌ ثَابِتٌ" ﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾.
لَقَدْ كَانَتْ حَيَاتُهُمْ كُلُّهَا تَجْرِبَةً مُفْعَمَةً بِالِابْتِلَاءَاتِ.. مُفْعَمَةً بِالْآلَامِ.
عَرْضُ مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَصِ تَقْوِيَةٌ لِقَلْبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَثْبِيتُ فُؤَادِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى الصَّبْرِ.
تَقْرِيرُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ مِثْلُ هَذَا الْقَصَصِ لَا يَتَأَتَّىٰ لَهُ إِلَّا بِوَحْيٍ إِلَهِيٍّ.
الْقِصَّةُ الْأُولَىٰ وَعِلَاقَتُهَا بِـ ﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾... ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾... مَضَىٰ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بَدْءُ قِصَّةِ دَاوُودَ، وَظُهُورُهُ فِي جَيْشِ طَالُوتَ، فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فَاخْتَارَ لَهُمْ ﴿طَالُوتَ مَلِكًا﴾، وَلَقِيَ بِهِمْ عَدُوَّهُمُ الْجَبَّارَ جَالُوتَ وَجُنُودَهُ، ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. وَكَانَ إِذْ ذَاكَ فَتًى، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ ارْتَفَعَ نَجْمُهُ حَتَّىٰ وَلِيَ الْمُلْكَ أَخِيرًا، وَأَصْبَحَ ذَا سُلْطَانٍ.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾آتَاهُ حُكْمًا، آتَاهُ عِلْمًا، أَلَانَ لَهُ الْحَدِيدَ، فَصْلَ الْخِطَابِ، تَسْخِيرَ الْجِبَالِ، تَأْوِيبَ الطَّيْرِ، عَلَّمَهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ، عَمَلَ السَّابِغَاتِ، تَقْدِيرَ السَّرْدِ... كُلُّ هَذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتْنَةِ وَالِاخْتِبَارِ وَالِابْتِلَاءِ.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ لَقَدْ أَتَى اللَّهُ دَاوُودَ زَبُورًا كِتَابًا مِنْهُ جَلَّ جَلَالُهُ لِيَهْدِيَ بِهِ قَوْمَهُ لِلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ قَوْمُ دَاوُودَ أَضَلُّوا السَّبِيلَ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ زَبُورٍ وَحِكْمَةٍ وَعِلْمٍ، فَكَفَرُوا، فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ أَشَدَّ لَعْنَةٍ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ عَلَىٰ قَدْرِ نَفْعِكَ إِلَى الْآخَرِينَ، يَنْشُرُ اللَّهُ ذِكْرَكَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ ذَا الْأَيْدِ: صَاحِبُ الْقُوَّةِ عَلَى الطَّاعَةِ.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أُعْطِيَ قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ.
﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ أَيْ ذَا الْقُوَّةِ فِي الْجِهَادِ وَالْعِبَادَةِ.
﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ ذَا الْقُوَّةِ، وَكَانَتْ قُوَّتُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ أَتَمَّ قُوَّةٍ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا.
﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ وَفِيهَا أَنَّ وَصْفَ دَاوُودَ بِالْأَيْدِ -أَيِ الْقُوَّةِ- يَشْمَلُ قُوَّةَ الْعِلْمِ وَقُوَّةَ الْجِسْمِ وَقُوَّةَ الْإِرَادَةِ.
اللَّهُ يَمْدَحُ وَيُحِبُّ الْقُوَّةَ.
مَكَّنَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ وَحُبِّ الْعَدْلِ.
﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الذِّكْرِ سَبَبٌ لِقُوَّةِ الْإِنْسَانِ.