وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)
تَحَقَّقَ الوَعدُ وَالتَّمكِينُ لِيُوسُفَ عِندَ القِيَامِ بِالمَطلُوبِ مِنَ الإِيمَانِ وَالأَعمَالِ.
أَضَافَ سُبحَانَهُ هَذَا التَّمكِينَ لِنَفسِهِ فَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرضِ﴾.
ذَلِكَ التَّمكِينُ كَانَ مِنَ اللهِ لَا مِن أَحَدٍ سِوَاهُ.
يُوسُفُ مُمَكَّنٌ فِي الأَرضِ، لَيسَ مِن شَرطِ التَّمكِينِ الدَّولَةُ، المُمَكِّنُ هُوَ اللهُ.
تَمكِينٌ مَربُوطٌ بِالإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.
تَمكِينُ مِصرَ لِفَردٍ وَلَيسَ لِدَولَةٍ، فَردٌ فِيهِ قُوَّةُ إِيمَانٍ وَكَمَالُ إِيمَانٍ.
الدَّعوَةُ تُمَكِّنُ لِصَاحِبِهَا أَيًّا كَانَتِ الأَحوَالُ.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ نِهَايَةُ التَّمكِينِ.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرضِ﴾ مَكَّنَهُ اللهُ لِيَقُومَ بِالدَّعوَةِ إِلَى دِينِ اللهِ.
الاِبتِلَاءُ أَوَّلُ دَرَجَةٍ فِي سُلَّمِ التَّمكِينِ، وَقَد وَرَدَ التَّمكِينُ الأَوَّلُ بَعدَ الإِلقَاءِ فِي الجُبِّ ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرضِ﴾، وَوَرَدَ التَّمكِينُ الثَّانِي بَعدَ مِحنَةِ السِّجنِ ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُمَكَّنُ الرَّجُلُ حَتَّى يُبتَلَى.
مَا يَحصُلُ لِلكُفَّارِ فِي زَمَانِنَا مَعَ سُوءِ أَخلَاقِهِم يُسمَّى استِدرَاجًا وَلَيسَ تَمكِينًا.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ هَذَا التَّمكِينُ فِي الأَرضِ أَعمُّ مِنَ التَّمكِينِ السَّابِقِ فِي بَيتِ العَزِيزِ.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرضِ﴾ الإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِن جَمِيلِ صُنعِ اللهِ بِهِ.
مَن أَرَادَ اللهُ إِكرَامَهُ فَلَن يَضُرَّهُ كَيدُ كَائِدٍ.
لَمَّا رَأَى مَلِكُ مِصرَ حَصَافَةَ رَأيِ يُوسُفَ وَحُسنَ تَدبِيرِهِ جَعَلَهُ عَزِيزًا عَلَى مِصرَ بِأَكمَلِهَا.
تَقُومُ الدَّولَةُ بِبَصِيرَةِ يُوسُفَ.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ بِطَرِيقِ الأَخلَاقِ.
عِندَمَا سَيطَرَ يُوسُفُ - عَلَيهِ السَّلَامُ - عَلَى مَقَالِيدِ الأُمُورِ فِي مِصرَ، استَمَرَّ فِي دَعوَتِهِ لِلدِّينِ.
رِسَالَةُ يُوسُفَ رِسَالَةُ إِصلَاحٍ وَإِعمَارٍ.
مَا سَيَقُومُ بِهِ يُوسُفُ عَمَلِيَّةٌ اقتِصَادِيَّةٌ تَحتَاجُ إِلَى تَخطِيطٍ وَتَطبِيقٍ وَمُتَابَعَةٍ وَحُسنِ تَدبِيرٍ وَحَزمٍ وَعِلمٍ.
طَبَّقَ النِّظَامَ عَلَى نَفسِهِ وَعَلَى غَيرِهِ (حِملُ بَعِيرٍ لِكُلِّ شَخصٍ).
قَرَّرَ أَلَّا يَبِيعَ أَكثَرَ مِن حِملِ بَعِيرٍ.
فَرَضَ عَلَى أَهلِ مِصرَ وَعَلَى نَفسِهِ وَجبَةً وَاحِدَةً كُلَّ يَومٍ.
رِسَالَتُهُ رِسَالَةٌ عَالَمِيَّةٌ.
لَم يَقل كَفَارٌ أَتَوَسَّعُ وَأُبَدِّدُ أَموَالَهُم.
أَخلَاقُكَ لَا بُدَّ أَن تَكُونَ أَخلَاقًا عَالَمِيَّةً، مَقصَدُكَ عَالَمِيٌّ.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ كِنَايَةٌ عَن تَصَرُّفِهِ فِي جَمِيعِ مَملَكَةِ مِصرَ (رَجُلُ دَولَةٍ).
أَزمَةٌ اقتِصَادِيَّةٌ تَعصِفُ بِمِصرَ وَمَا حَولَهَا.
مِن أَوَّلِ عَلَامَاتِ تَوفِيقِهِ فِي إِدَارَةِ مِصرَ تِلكَ الخُطَّةُ الخَمسَ عَشرِيَّةُ الَّتِي وَضَعَهَا لِإِنقَاذِ مِصرَ مِن ضَائِقَةٍ خَانِقَةٍ.
أَزمَةٌ اقتِصَادِيَّةٌ وَكَانَ يُوسُفُ لَهَا.
جَمَعَ الطَّعَامَ وَالمُونَةَ فِي السَّبعِ سِنِينَ المُخصِبَةِ فَوَضَعَهُ فِي الخَزَائِنِ، فَلَمَّا مَضَت تِلكَ السِّنُونَ وَأَقبَلَتِ السِّنُونَ المُجدِبَةُ أَقبَلَ يُوسُفُ عَلَى بَيعِ الطَّعَامِ.
اتَّخَذَ نَبِيُّ اللهِ يُوسُفُ مَعَ العَدلِ الاِقتِصَادَ.
لَم يَحكُم بِقَانُونِ الكُفرِ.
كَانَ يُملِي قَانُونَهُ حَتَّى عَلَى مَلِكِ مِصرَ.
الدَّاعِيَةُ مُقتَصِدٌ فِي النَّفقَةِ.
أَدَارَ يُوسُفُ خَزَائِنَ مِصرَ بِكُلِّ اقتِدَارٍ، فَسَلَكَ حُسنَ التَّدبِيرِ وَالإِنفَاقِ فِي السَّنَوَاتِ المُجدِبَةِ.
يَسِيرُ يُوسُفُ بِسَفِينَةِ مِصرَ وَمَا حَولَهَا وَسطَ هَذِهِ الأَموَاجِ المُتَلَاطِمَةِ مِنَ الأَحوَالِ إِلَى بِرِّ السَّلَامِ وَالأَمَانِ.
إِن كُنتَ مِن ذَوِي الهِمَمِ العَالِيَةِ عَلَيكَ أَن تُصَبِّرَ نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ أَمَدًا طَوِيلًا، وَلَا تَعجَل بِالرِّئَاسَةِ حَتَّى يَبلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ.
يَدُلُّ تَصَرُّفُ يُوسُفَ فِي سِنِي الخِصبِ وَالجَدبِ عَلَى مَهَارَةٍ وَاضِحَةٍ فِي الإِدَارَةِ وَالاِقتِصَادِ.
أَشرَفَ عَلَى وِزَارَةِ المَالِيَّةِ أَربَعَ عَشرَةَ سَنَةً.
تَفَتَّحَت لِيُوسُفَ بَعدَ مَنصِبِهِ الجَدِيدِ آفَاقٌ وَاسِعَةٌ لِلدَّعوَةِ إِلَى اللهِ.
وَظَّفَ كُلَّ الإِمكَانِيَّاتِ لِدَعوَةِ أَهلِ مِصرَ إِلَى اللهِ.
بَلَّغَ الدِّينَ لِلنَّاسِ مِن خِلَالِ التَّمكِينِ (التَّمكِينُ فِي النُّفُوسِ وَالقُلُوبِ إِيمَانًا وَتَأَثُّرًا بِمَبَادِئِهِ).
دَرَسَ لِلدُّعَاةِ بِأَن يَتَسَلَّحُوا بِخُلُقٍ رَفِيعٍ قَوِيمٍ فِي دَعوَتِهِم إِلَى اللهِ، وَأَن يَتَحَلَّوْا بِالحِلمِ وَاللُّطفِ وَالصَّبرِ وَالأَنَاةِ.
﴿نُصِيبُ بِرَحمَتِنَا مَن نَشَاءُ﴾ أَي: نَختَصُّ بِنِعمَتِنَا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالنَّجَاةِ.
﴿نُصِيبُ بِرَحمَتِنَا﴾ المَقصُودُ هُنَا جُهدُ الرَّحمَةِ.
﴿نُصِيبُ بِرَحمَتِنَا مَن نَشَاءُ﴾ مِن خَلقِنَا وَنَجتَبِيهِ لِجُهدِ الهِدَايَةِ كَمَا أَصبَنَا بِهَا يُوسُفَ.
﴿نُصِيبُ بِرَحمَتِنَا﴾ أَي: بِنِعمَتِنَا مِنَ المُلكِ وَالغِنَى وَغَيرِهِمَا ﴿مَن نَشَاءُ﴾.
اللهُ يَخصُّ مَن يُصِيبُهُ بِالرَّحمَةِ كَامِلَ رِعَايَتِهِ فَلَا تَحرِم نَفسَكَ هَذَا الحُسنَ فِي مَيدَانِ الرَّحمَةِ.
هَل نَجِدُ مِثلَ يُوسُفَ رَجُلًا مَهبِطًا لِلإِمدَادِ الرَّبَّانِيِّ؟
﴿نُصِيبُ بِرَحمَتِنَا مَن نَشَاءُ﴾ فَنُبدِلُهُ مِنَ العُسرِ يُسرًا، وَمِنَ الضِّيقِ فَرَجًا، وَمِنَ الخَوفِ أَمنًا، وَمِنَ القَيدِ حُرِّيَّةً، وَمِنَ الهَوَانِ عَلَى النَّاسِ عِزًّا وَمَقَامًا عَلِيًّا.
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ﴾ بَل نُوَفِّيهِم أُجُورَهُم عَاجِلًا وَآجِلًا.
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ﴾ هَاتِ جُهدًا مِثلَ جُهدِهِ يُعطِيكَ مِثلَ عَطَائِهِ لَهُ.
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ﴾ فِي الدَّعوَةِ الاِلتِزَامُ بِفِعلِ المَحَاسِنِ.
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ﴾ المُحسِنُ هُوَ الَّذِي يَصنَعُ شَيئًا فَوقَ مَا طُلِبَ مِنهُ.
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجرَ المُحسِنِينَ﴾ مِن ثَمَرَاتِ جُهدِ الإِحسَانِ التَّمكِينُ فِي الأَرضِ، مَعَ ادِّخَارِ أَجرِهِم كَامِلًا يَومَ القِيَامَةِ.
كَانَ نَزِيهًا مُستَقِيمًا فِي وِلَايَتِهِ وَفِي تَصَرُّفَاتِهِ حَتَّى أَحَبَّهُ أَهلُ البِلَادِ، وَسَرَى بِحَدِيثِهِ الرُّكبَانُ.
شَاعَ بَينَ النَّاسِ أَنَّ فِي مِصرَ مَلِكًا عَزِيزًا لَا يَرُدُّ سَائِلَهُ، وَلَا يُخَيِّبُ رَاجِيهِ حَتَّى مَلَكَ قُلُوبَ أَهلِ مِصرَ.
أَظهَرَ العَدلَ وَأَجزَلَ فِي العَطِيَّةِ وَوَاسَى الضَّعِيفَ.