يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)
السِّجْنُ نقْلَةٌ فِي حَيَاةِ يُوسُفَ الدَّعَوِيَّةِ.
التَّكْلِيفُ بِالتَّبْلِيغِ لَمْ يَظْهَرْ حَقِيقَةً جَلِيَّةً إِلَّا فِي السِّجْنِ.
بَدَأَ جُهْدَهُ الدَّعَوِيَّ فِي مِيدَانٍ صَغِيرٍ وَنِطَاقٍ ضَيِّقٍ.
اِنْطَلَقَ يُوسُفُ النَّبِيُّ الدَّاعِيَةُ فِي دَعْوَتِهِ وَجُهْدِهِ فِي مِيدَانٍ صَغِيرٍ (السِّجْنِ) وَعَلَى سَجِينَيْنِ.
أَوَّلُ امْتِحَانٍ لِلْجُهْدِ فِي المِيدَانِ الصَّغِيرِ.
اِنْتِهَازُ الفُرَصِ لِلْقِيَامِ بِالجُهْدِ.
اسْتَغَلَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْفُرْصَةَ لِيُؤَدِّيَ مَهَمَّتَهُ الدَّعْوِيَّةَ، فَقَبْلَ أَنْ يُعْطِيَ السَّائِلَيْنِ مَا أَرَادَا أَعْطَاهُمَا مَا أَرَادَ هُوَ أَوَّلًا مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَهُمَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَالِاسْتِمَاعِ لِكُلِّ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا.
قرَّرَ يُوسُفُ أنْ يَتَّخِذَ السِّجْنَ مُنْطَلَقًا لِاسْتِمْرَارِ دَعْوَتِهِ وَجُهْدِهِ.
لَمَّا اسْتَأْنَسُوا بِهِ وَجَدَهَا فُرْصَةً سَانِحَةً لِلْجُهْدِ.
يُوسُفُ السَّجِينُ انْتَقَلَ مِنْ مَثْوًى أَلِيمٍ إِلَى مَثْوًى كَرِيمٍ بِجُهْدِهِ وَصِفَاتِهِ وَإِحْسَانِهِ.
السِّجْنُ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانٍ لِلْعُقُوبَةِ إِلَى مَكَانٍ لِلْحِفَاظِ مِنَ الْكَيْدِ.
تَحَوَّلَ السِّجْنُ مِنْ كَوْنِهِ وَسِيلَةَ عِقَابٍ إِلَى غَايَةِ نَجَاةٍ.
كَوْنُكَ سَجِينًا لَا يُعْفِيكَ مِنَ الجُهْدِ، فَالدَّعْوَةُ فِي كُلِّ مَكَانٍ (سُلَيْمَانُ فِي مُلْكِهِ – أَيُّوبُ فِي مَرَضِهِ – يُوسُفُ فِي سِجْنِهِ...).
لَمْ يَتَوَقَّفْ يُوسُفُ عَنْ أَدَاءِ المَسْؤُولِيَّةِ... (المَسْؤُولِيَّةُ فِي أَيِّ مَكَانٍ).
كَانَ يُوسُفُ فِي دَاخِلِ السِّجْنِ يُحَمِّلُ النَّاسَ المَسْؤُولِيَّةَ.
لَمْ يُعْطِهِمُ الإِجَابَةَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ مَعَهُمْ فِي الدَّعْوَةِ.
لَمْ يُعَبِّرْ لَهُمَا حَتَّى دَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ .
كَلِمَاتٌ قَلِيلَةٌ حَاسِمَةٌ رَسَمَ بِهَا يُوسُفُ كُلَّ مَعَالِمِ هَذَا الدِّينِ.
لَمَّا دَخَلَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - السِّجْنَ، جَعَلَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَيَنْشُرُ عِلْمَهُ.
أَقْبَلَ يُبَيِّنُ لَهُمَا حَالَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ، وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُ مِنْ قَبْلِهِ كَذَلِكَ.
رَأَى فِي سَجِيَّتِهِمَا قَبُولَ الْخَيْرِ وَالإِقْبَالَ عَلَيْهِ وَالإِنْصَاتَ إِلَيْهِ.
حِوَارُ السِّجْنِ حَمَلَ حِكَمًا بَالِغَةً فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ.
كَانَ دُخُولُهُ السِّجْنَ رَحْمَةً لِهَؤُلَاءِ المَسَاجِينِ جَمِيعًا، بَلْ وَرَحْمَةً لِأَهْلِ مِصْرَ كُلِّهِمْ حِينَ حَكَمَهُمْ.
تَحَوَّلَ السِّجْنُ إِلَى مِيدَانٍ لِجُهْدِ الهِدَايَةِ.
لَمْ يَمْنَعْهُ السِّجْنُ وَالظُّلْمُ وَالغُرْبَةُ مِنْ أَدَاءِ مَهَمَّتِهِ الدَّعَوِيَّةِ.
وَهُوَ فِي السِّجْنِ وَظُلُمَاتِهِ – مَعَ الظُّلْمِ وَظُلُمَاتِهِ! – لَمْ يَغْفُلْ عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى دِينِهِ.
تَجَلَّتْ حِكْمَةُ يُوسُفَ وَفِقْهُهُ فِي مُوَاجَهَةِ صَاحِبَيْهِ فِي السِّجْنِ، فَاسْتَغَلَّ الحَدَثَ فِي تَوْجِيهِ هَذِهِ القُلُوبِ إِلَى بَارِئِهَا: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
هَذِهِ الكَلِمَاتُ أَهَمُّ لَهُمْ وَأَنْفَعُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحْلَامِ.
مَهْمَا قَلَّ عَدَدُ مَنْ تُخَاطِبُهُمْ، فَتَفَنَّنْ فِي أُسْلُوبِكَ.
لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ الإِطَالَةُ فِي المَوْعِظَةِ وَالإِكْثَارُ مِنَ الكَلَامِ... تَنَاسُبٌ عَجِيبٌ لَا يَشْعُرُ بِهِ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ وَالعُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ.
النِّدَاءُ بِـ "يَا" إِشَارَةٌ إِلَى غَفْلَتِهِمَا وَهَيْمَانِهِمَا فِي أَوْدِيَةِ الضَّلَالِ.
آنَسَهُمَا وَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: ﴿يَا صَاحِبَيِ﴾.
تَأَمَّلْ رِقَّةَ هَذَا النِّدَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا صَاحِبَيِ﴾.
طَهُرَتْ سِيرَتُهُ، وَعَفَّتْ سَرِيرَتُهُ، وَصَفَتْ رُوحُهُ.
رَأَى السُّجَنَاءُ فِي مَسْلَكِهِ وَجُهْدِهِ وَصِفَاتِهِ مَا يَجْذِبُهُمْ إِلَيْهِ، فَانْتَهَزَ هَذِهِ الفُرْصَةَ لِلِانْطِلَاقِ فِي دَعْوَتِهِ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ وَصَفَهُمَا بِالصُّحْبَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْمَوَدَّةِ وَبَذْلِ النَّصِيحَةِ.
فِي كُلِّ مَكَانٍ فُرْصَةٌ لِبِنَاءِ صُحْبَةٍ جَدِيدَةٍ.
مِنْ خِلَالِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ التَّمْهِيدِيَّةِ، عَرَّفَ يُوسُفُ نَفْسَهُ كَدَاعِيَةٍ، وَالآنَ جَاءَ إِلَى لُبِّ القَضِيَّةِ وَمَضْمُونِهَا، وَهُوَ التَّعْرِيفُ بِالإِلَهِ الحَقِّ.
شَرَعَ فِي ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ العُقُولِ بِعِبَادَةِ الأَصْنَامِ.
﴿أَأَرْبَابٌ﴾: الهَمْزَةُ لِلاِسْتِفْهَامِ بِمَعْنَى الإِنْكَارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلاِسْتِنْطَاقِ.
صَرَّحَ بِدَعْوَتِهِمَا إِلَى الإِيمَانِ.
طَفِقَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمَا الإِيمَانَ، وَيُزَيِّنُهُ لَهُمَا، وَيُقَبِّحُ إِلَيْهِمَا الشِّرْكَ بِاللَّهِ.
تَلَطَّفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِهِمَا فِي رَدِّهِمَا إِلَى الحَقِّ وَإِرْشَادِهِمَا إِلَى الهُدَى.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾: أَيْ آلِهَةٌ شَتَّى، هَذَا مِنْ ذَهَبٍ، وَهَذَا مِنْ فِضَّةٍ، وَهَذَا مِنْ حَدِيدٍ، وَهَذَا أَعْلَى، وَهَذَا أَوْسَطُ، وَهَذَا أَدْنَى، مُتَبَايِنُونَ، لَا يَضُرُّونَ وَلَا يَنْفَعُونَ.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: خَلْعُ مَا سِوَاهُ - سُبْحَانَهُ - مِنَ الْأَوْثَانِ.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: إِشْرَاكُ المُسْتَمِعِ فِي المَوْضُوعِ الدَّعَوِيِّ بِتَوْجِيهِ السُّؤَالِ إِلَيْهِ.
وَلِيَ كُلَّ شَيْءٍ بِعِزِّ جَلَالِهِ وَعَظَمَةِ سُلْطَانِهِ.
هَذِهِ الآلِهَةُ المُزْعُومَةُ المُتَوَهَّمَةُ تَلَقَّاهَا خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ.
جَمِيعُ الآلِهَةِ المُزْعُومَةِ لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى خَلْقِ ذُبَابَةٍ.
لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى الهَلَاكِ وَالزَّوَالِ عَنْ أَنْفُسِهَا، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا.
سُؤَالٌ تَقْرِيرِيٌّ: ﴿أَأَرْبَابٌ﴾، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ مُتَفَرِّقُونَ، ثُمَّ قَابَلَهُمْ بِـ اللَّهِ، ثُمَّ وَصَفَهُ وَقَرَّرَ أَنَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.
أَفَادَ - بِالْمُقَابِلِ - أَنَّ الآلِهَةَ الأُخْرَى لَيْسَ لَهَا مِنَ القَهْرِ وَالأَمْرِ شَيْءٌ.
كَانَ هُنَاكَ فِرْعَوْنٌ وَاحِدٌ، وَالآنَ امْتَلَأَتِ الأَرْضُ بِالفَرَاعِينِ.
حُكَّامٌ يُزَاوِلُونَ خَصَائِصَ الرُّبُوبِيَّةِ.
لَقَدِ ابْتُلِيَ بِأَرْبَابٍ مُتَفَرِّقِينَ مَنْ يَخْدِمُ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا وَيُؤَمِّلُهُمْ.
أَرْبَابٌ عَاجِزَةٌ، مُتَنَازِعَةٌ، مُتَشَاكِسَةٌ، لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحَقِّقَ حَيَاةً طَيِّبَةً.
كَلِمَاتٌ قَلِيلَةٌ، نَاصِعَةٌ، حَاسِمَةٌ، مُنِيرَةٌ، قَالَهَا يُوسُفُ، هَزَّ بِهَا قَوَائِمَ الشِّرْكِ كُلَّهَا.
وَمَا شَقِيَتِ البَشَرِيَّةُ بِشَيْءٍ قَطُّ، مَا شَقِيَتْ شَقَاءَهَا بِتَعَدُّدِ الأَرْبَابِ.
وِجْهَةُ القُلُوبِ لَيْسَتْ سَلِيمَةً.
كُنْ كَالْغَيْثِ؛ أَيْنَمَا وَقَعَ نَفَعَ.
لَا تَظُنَّ أَنَّ طَرِيقَ الجُهْدِ مَفْرُوشٌ بِالوُرُودِ؛ فَالمُجَاهَدَةُ وَالتَّضْحِيَةُ هُمَا دَيْدَنُ الدُّعَاةِ.
دَأَبَ عَلَى نَشْرِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، فِي تِلْكَ القُلُوبِ المَيْتَةِ اليَائِسَةِ، الَّتِي يَئِسَتْ مِنَ اللَّهِ وَمِنَ النَّاسِ.
يُوسُفُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا لِلْخَيْرِ أَيْنَمَا كَانَ، دَاخِلَ الجُدْرَانِ سَجِينًا أَوْ خَارِجَهَا طَلِيقًا، وَلِذَلِكَ لَمَّا سُجِنَ قَامَ بِدَعْوَةِ السُّجَنَاءِ.
جَاءَتْ مَرْحَلَةُ التَّكْلِيفِ.
إِقَامَةُ الدَّعْوَةِ فِي أَيِّ بِيئَةٍ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِلصَّلَاحِ وَالتَّغْيِيرِ.
الحِكْمَةُ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ الكِرَامِ هِيَ الهِدَايَةُ وَالرَّشَادُ إِلَى الحَقِّ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وَالإِصْلَاحُ وَالإِعْمَارُ فِي الأَرْضِ.
لَعَلَّ أَوْضَحَ مَا يَصِمُهُمْ بِالتَّرَدِّي فِي الأَوْضَاعِ الدِّينِيَّةِ دَعْوَةُ يُوسُفَ لِلسَّجِينَيْنِ، وَجَهْلُهُمَا بِالتَّوْحِيدِ.
مَا أَشْبَهَ وَضْعَهُمْ بِأَحْوَالِ مُجْتَمَعِ الجَاهِلِيَّةِ الَّذِي وَاجَهَهُ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.
مُجْتَمَعٌ عَابِثٌ، مَاجِنٌ، مُتَهَتِّكٌ، مُسْتَهْتِرٌ، إِلَى حَدِّ المُجَاهَرَةِ بِالمَعْصِيَةِ بِلَا حَيَاءٍ.
كَانَ مُجْتَمَعًا يَعِيشُ لِيَوْمِهِ، وَلَا يَهْتَمُّ لِأَمْرِ المُسْتَقْبَلِ الأُخْرَوِيِّ.
تَدَارَكَ هَذَا المُجْتَمَعَ يَنْبُوعُ الحَيَاةِ: "جُهْدُ الأَنْبِيَاءِ".
الدُّعَاةُ هُمْ أَمَلُ الأُمَّةِ فِي إِنْقَاذِ البَشَرِيَّةِ: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ...﴾.
اللَّهُ الْوَاحِدُ هُوَ الفَرْدُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَحْدَهُ، الْقَهَّارُ الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ فَذَلَّلَهُ، فَاسْتَسْلَمَ وَذَلَّ لَهُ.