أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الْآيَةُ... عِتَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى كَلَامِهِمْ فِيمَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ.
﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أَيْ مَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ قَتْلِ سَبْعِينَ مِنْهُمْ، ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قَتْلِ سَبْعِينَ وَأَسْرِ سَبْعِينَ.
﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ؟
﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيْ: بِمُخَالَفَةِ الرَّسُولِ مِنْكُمْ.
مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ تَسَبَّبَتْ فِي هَزِيمَةِ جَيْشٍ.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيْ: هَذَا الِانْهِزَامُ إِنَّمَا حَصَلَ بِشُؤْمِ عِصْيَانِكُمْ.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي مُخَالَفَةَ الرُّمَاةِ.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيْ: مِمَّا اقْتَرَفَتْهُ أَنْفُسُكُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ بِتَرْكِ الْمَرْكَزِ.
قَالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ: مِنْ فَوَائِدِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: إِثْبَاتُ الْأَسْبَابِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.
كَرَّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَصَابَهُمْ إِنَّمَا أُتُوا فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ وَبِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ.
نَالَهُمْ مَا نَالَهُمْ إِنَّمَا مِنْ جِهَتِهِمْ بِتَرْكِهِمُ الْمَرْكَزَ وَحِرْصِهِمْ عَلَى الْغَنِيمَةِ.
السَّبَبُ مُخَالَفَةُ الرُّمَاةِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَرْكِهِمُ الْمَرْكَزَ وَحَرِصُوا عَلَى الْغَنِيمَةِ فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ.
شُؤْمُ الِانْحِرَافِ عَنْ سَمْتِ إِرَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعُمُّ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ.
الْوَعْدَ كَانَ مُقَيَّدًا بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى، وَقَدْ تَرَكْتُمُ الْمَرْكَزَ وَأَقْبَلْتُمْ عَلَى الْغَنَائِمِ.
النَّصْرُ عِنْدَ الْمُوَافَقَةِ، وَالْخِذْلَانُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ.
لَوْ عَرَضْتُمْ عَمَلَكُمْ عَلَى الْمَوَازِينِ الْإِيمَانِيَّةِ، لَمَا سَأَلْتُمْ هَذَا السُّؤَالَ: ﴿أَنَّى هَذَا﴾.
عَلَّقَ النَّصْرَ بِكَمَالِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ.
تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، حِينَ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ وَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوُ سَبْعِينَ، فَقَالَ اللَّهُ: إِنَّكُمْ ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿مِثْلَيْهَا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلْتُمْ سَبْعِينَ مِنْ كِبَارِهِمْ وَأَسَرْتُمْ سَبْعِينَ.
غَزْوَةُ بَدْرٍ دَرْسٌ مِنَ اللَّهِ فِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَغَزْوَةُ أُحُدٍ دَرْسٌ مِنَ اللَّهِ فِي مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَادِرٌ سُبْحَانَهُ عَلَى نَصْرَتِكُمْ بَعْدُ لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهَا تَطْيِيبُ أَنْفُسِهِمْ وَمَزْجُ مَرَارَةِ التَّقْرِيعِ بِحَلَاوَةِ الْوَعْدِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نَصْرِكُمْ لَوْ ثَبَتُّمْ وَصَبَرْتُمْ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ عَلَى نَصْرِكُمْ، وَعَلَى اتِّخَاذِ الشُّهَدَاءِ مِنْكُمْ، وَتَعْجِيلِ أَوْلِيَائِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، قَدِيرٌ.