قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69)
جُهْدُ تَعَلُّم لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ . . . .﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً .﴾.. قَالَهَا بِكُلِّ عَزِيمَةٍ.
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ اِفْتَتَحَ جِبْرِيلْ – عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ أَمِين اَلسَّمَاءِ اَلْجُهْدُ بِالْجَهْدِ " أَجْهَدَنِي " .
قَبِلَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِالشُّرُوطِ، وَبَدَأَتِ الْعَمَلِيَّةُ التَّعْلِيمِيَّةُ الْمَيْدَانِيَّةُ، لَمْ يَكُنْ تَعْلِيماً نَظَرِيّاً جَافّاً، بَلْ كَانَ تَعْلِيماً حَرَكِيّاً.
كَانَ الصَّبْرُ وَسِيلَةً مِنْ ضِمْنِ الْوَسَائِلِ الَّتِي لَجَأَ إِلَيْهَا الْمُصْطَفَوْنَ الْأَخْيَارُ فِي مِشْوَارِ دَعْوَتِهِمْ وَمَسِيرَةِ تَبْلِيغِهِمْ لِرِسَالَاتِ رَبِّهِمْ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾[الأحقاف:35].
عَلَى أَيِّ أَسَاسٍ أَصْدَرَ الْمُعَلِّمُ حُكْمَهُ مُسْبَقاً بِأَنَّ نَبِيَّ اللهِ مُوسَى لَنْ يَسْتَطِيعَ مَعَهُ صَبْراً ....؟
قَوْلُ مُوسَى : ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ﴾ تَوَاضُعٌ شَدِيدٌ ، وَإِظْهَارٌ لِلتَّحَمُّلِ اَلتَّامِّ .
تَأْكِيدُ التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ حِرْصًا عَلَى التَّأَدُّبِ مَعَ اللَّهِ، وَإِيذَانًا بِأَنَّ الصَّبْرَ وَالطَّاعَةَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِ الَّذِي عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَعْسَرُ مِنْ صَبْرِ الْمُتَعَلِّمِ الْبَسِيطِ وَطَاعَتِهِ.
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً ﴾.. اسْتَثْنَى لِأَنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِصَبْرِهِ .
اسْتَثْنَى فِي الصَّبْرِ فَصَبَرَ، وَمَا اسْتَثْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ فَاعْتَرَضَ وَسَأَلَ .
الحَمِيَّةُ الَّتِي تَنْتَابُ المُصْلِحَ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الفَسَادِ شَيْءٌ لَا يُطَاقُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصْبِرْ.
الأنْبِياءَ لا يُقِرُّونَ المُنْكَرَ.
تَقْدِيمُ اَلْمَشِيئَةِ فِي اَلْأَمْرِ .
مِزَاجُ اَلْمُسْلِمِ اَلطَّاعَةِ .
اَلطَّاعَةُ عَلَامَةُ اَلْإِيمَانِ .
كَانَ صَبْرُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سِلَاحاً قَوِيّاً دَاعِماً لِشُعُورِ النَّصْرِ فِي نَفْسِهِ.
قال ﷺ :" يَا لَيْتَهُ كَانَ صَابِراً حَتَّى يَأْتِيَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا " البخاري "
الصَّبْرُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالطَّمَعِ فِيمَا عِنْدَ اللهِ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ.
لَمْ يَسْتَوْعِبْ نَبِيُّ اللهِ مَا حَدَثَ أَمَامَهُ، وَظَلَّ مُصَاحِباً لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ حَتَّى النِّهَايَةِ؛ «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوْ كَانَ صَبَرَ لَقصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا».
الصَّبْرُ مِنْ أَعْمَالِ الْهِدَايَةِ.
وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ وَلَمْ يَفْعَلْ.
هُوَ قَيَّدَ نَفْسَهُ بِالمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ نَفْسِهِ فِيمَا التَزَمَ بِهِ.
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدَّمَ المَشِيئَةَ فِي كَوْنِهِ صَابِرًا بِصِيغَةِ الإِفْرَادِ، فَلَمْ يَصْبِرْ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَجا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِحِرْصِهِ عَلى العِلْمِ وازْدِيادِهِ، أنْ يَسْتَطِيعَ مَعَهُ صَبْرًا، بَعْدَ إفْصاحِ الخِضْرِ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ .
فِعْلُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَٰذَا يَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكَ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالِازْدِيَادِ مِنْهُ وَالرَّحْلَةِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ فِيهِ مَبْلَغَهُ. وَيَدُلُّ عَلَىٰ وُجُوبِ التَّوَاضُعِ لِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ."
الصبر مِنهاجُ الأنْبِياءِ وسَبِيلُ الرُّسُلِ
الصَّبْرُ الْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ هُوَ تَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ وَالصُّعُوبَاتِ وَالْعَقَبَاتِ، وَهَذَا التَّحَمُّلُ صَادِرٌ عَنْ إِرَادَةٍ ذَاتِيَّةٍ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ الْمَقْصُودِ، وَهِيَ الْهِدَايَةُ التَّوْفِيقِيَّةُ مِنَ الرَّبِّ الْكَرِيمِ.
كَانَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حَرِيصاً عَلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ الصَّبْرَ وَمَا يُرْشِدُهُ فِي مَسِيرَتِهِ الدَّعَوِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ أَمْرُ تَعَلُّمِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ لَيْسَ هَيِّناً حَتَّى وَإِنْ كَانَ مُمْكِناً.
﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾: مِنْ آدَابِ الصُّحْبَةِ فِي السَّفَرِ الطَّاعَةُ لِأَمِيرِ الرِّحْلَةِ.
مِنْ مَقَاصِدِ رِحْلَةِ مُوسَى عَلَيْهِ اَلسَّلَامُ لِلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ تَعْلِيمُ اَلْأُمَّةِ اَلطَّاعَةِ لِلْأَمِيرِ .
الصَّبْرُ وَالطَّاعَةُ صِفَتَانِ مُلَازِمَتَانِ لِلْمُتَعَلِّمِ: ﴿صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
وَرَدَتْ كَلِمَةُ الصَّبْرِ فِي كِتَابِ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ مَرَّةً.
الصَّابِرُ هُوَ الَّذِي يَتَحَمَّلُ عَنْ إِرَادَةٍ وَقَنَاعَةٍ مَا يَجْرِي أَمَامَهُ مِنْ أَحْدَاثٍ وَأَحْوَالٍ فِي سَبِيلِ غَايَاتٍ وَفَوَائِد لَا تَكُونُ إِلَّا بِهِ.
بِالصَّبْرِ يَثْبُتُ الدَّاعِي إِلَى اللهِ.
أَصْعَبُ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلَى الْفَهْمِ ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
لِإِتْمَامِ مُتَابَعَةِ الرِّحْلَةِ نَسْمَعُ لِمُوسَى حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي﴾[الكهف:76]: اِعْتِرَافٌ مِنْ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ بِأَنَّهُ قَدْ أَكْثَرَ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ وَالِاحْتِجَاجَاتِ وَالْأَحْكَامِ عَلَى أَفْعَالِ مُعَلِّمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ .
الْعِلْمُ النَّافِعُ عَلَامَةٌ عَلَى سَعَادَةِ الْعَبْدِ، وَأَنَّ اللهَ أَرَادَ بِهِ خَيْراً.
عُلُومُ الدِّينِ تُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ.
الدَّعْوَةُ إِلَى الْهُدَى وَالْخَيْرِ عَمَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
الْعِلْمُ النَّافِعُ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ فِي الْخَوْفِ مِنَ اللهِ.
أَظْهَرَ اللهُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ الْوَاسِعِ.
اَلْعَبْدُ اَلصَّالِحُ لَايْمِشِي إِلَّا لِمَقْصِدٍ نَبِيلٍ .
عِلْمٌ لَدُنِّيٌّ خَارِجٌ عَنْ نِطَاقِ الْمَأْلُوفِ.
اِخْتَصَّ اَللَّهُ اَلْخَضر بِعِلْمٍ لَدُنْيٍّ وَهُوَ عِلْمُ اَلتَّأْوِيلِ .
مِنْ صِفَاتِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- التَّعَلُّمُ، فَفِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْعِلْمِيَّةِ تَمَكَّنَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْوَاعِيَةِ الْمُمَكِّنَةِ مِنَ التَّمَيُّزِ وَالتَّمْيِيزِ عَنْ طَرِيقِ الْإِتْيَانِ الْمُبَاشِرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، أَوْ عَنْ طَرِيقِ مَنْ أُوتِيَ عِلْماً مِنْ عِلْمِهِ الْوَاسِعِ ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤]
مَنْ كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ مُوسَى وَاَلَّذِي لَقِيَهُ فِيمَا بَعْدُ بَعْدَ بَحْثٍ وَتَعَبٍ ، إِنَّمَا كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ كَمَالَاتٍ ذَاتِيَّةٍ ، وَمَنَاقِبَ جَمَّة .