قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70)
اِشْتَرَطَ اَلْمُعَلِّمُ عَلَى تِلْمِيذِهِ اَلسُّكُوتَ وَالتَّسْلِيم : ﴿فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ ﴾ .
هَلْ لِعِلْمِهِ بِحَالِ مُوسَى وَعِلْمِهِ؟ أَمْ لِعِلْمِهِ بِصُعُوبَةِ الدُّرُوسِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي سَيَتَلَقَّاهَا الْمُتَعَلِّمُ مِنْ مُعَلِّمِهِ؟ أَمْ أَنَّ الْعَبْدَ الصَّالِحَ سَبَقَ وَأَنْ عَلَّمَ مِثْلَ هَذَا الْعِلْمِ لِآخَرِينَ وَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْهِ؟
إنْ رَأى المُعَلِّمُ أنَّ في التَّغْلِيظِ عَلى المُتَعَلِّمِ ما يُفِيدُهُ نَفْعًا وإرْشادًا إلى الخَيْرِ؛ فالواجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ؛ فَإنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ يُوقِعُ المُتَعَلِّمَ في الغُرُورِ ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّعَلُّمِ .
﴿فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ ﴾ فَمِنْ شَرْطِ اِتِّبَاعِكَ لِي أَنَّكَ إِذَا رَأَيْتَ مِنِّي شَيْئاً وَقَدْ عَلِمَتْ أَنَّهُ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْكَ وَجْهُ صِحَّتِهِ . . . فَأَنْكَرْتَ فِي نَفْسِكَ ألَّا تُفَاتِحنِي بِالسُّؤَالِ وَلَا تُرَاجِعَنِي فِيهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا اَلْفَاتِحُ عَلَيْكَ ، وَهَذَا مِنْ أَدَبِ الْمُتَعَلِّمِ مَعَ الْعَالِمِ الْمَتْبُوعِ.
﴿ فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ ﴾ إِرْشَادٌ مِنَ اَلْخضرِ لِمَا يَقْتَضِي دَوَامَ اَلصُّحْبَةِ ، فَلَو صَبَرَ لَرَأَى اَلْعَجَبُ ، وَلَكِنَّهُ أَكْثَرَ مِنْ اَلِاعْتِرَاضِ فَتَعَيَّنَ اَلْفِرَاقُ .
نَهْيُهُ عَنْ اَلسُّؤَالِ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يُشَاهِدُهُ مِنْ تَصَرُّفَاتٍ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ .
قِيلَ إِنَّ مُوسَى صَرَّفَ فَتَاهُ لِمَا لَقِيَ اَلْخِضْر .
مِمَّا قُصَّ مِنْ أَمْرِهِمَا، أَنَّهُمَا لَمَّا رَكِبَا السَّفِينَةَ وَجَرَتْ، نَزَلَ عُصْفُورٌ عَلَى جَنْبِ السَّفِينَةِ، فَنَقَر فِي الْمَاءِ نَقْرَةً، فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: مَاذَا تَرَى هَذَا الْعُصْفُورَ نَقَصَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ مُوسَى: قَلِيلاً، فَقَالَ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ.
النِّسْبَةِ الَّتِي ذَكَرَها الخَضِرُ لِمُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - في نَقْرَةِ العُصْفُورِ مِنَ البَحْرِ؛ تَقْرِيبٌ لِلْأفْهامِ .
في الحَقِيقَةِ لا نِسْبَةَ لِعِلْمِ أحَدٍ مِن عِلْمِهِ تَعالى .
دَعِ اَلسُّؤَالَ قَبْلَ أَوَانِهِ ، فَالْمُعَلِّمُ أَعْلَمُ بِمَا أَنْتَ أَهْلٌ لَهُ .
﴿ فَلا تَسْأَلْنِي ﴾ قَدْ يُصَادِفُ اَلسُّؤَالَ وَقْتَ اِشْتِغَالِ اَلْعَالِمِ بِمَسَائِلَ فَتَضِيقَ لَهُ نَفْسُهُ .
مَالَمْ يَدْخُلَ أَوَانَ اَلْكَشْفِ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ مِنْ مَرَاقِي اَلدَّرَجَات لَايَدْخُلَ أَوَانَ اَلسُّؤَالِ مِنْهُ .
عَنْ سَعِيدَ بن اَلْمُسَيِّبْ أَنَّ عَلِي بن أَبِي طَالِبْ رَضِي اَللَّهْ عَنْهُ قَالَ :"إِنَّ مِنْ حَقِّ اَلْعَالِمِ أَلَّا تُكْثِرَ عَلَيْهِ بِالسُّؤَالِ ، وَلَا تُعَنْتُهُ فِي اَلْجَوَابِ ، وَأَلَّا تُلِحَّ عَلَيْهِ إِذا كَسَل ، وَلَا تَأْخُذَ بِثَوْبِهِ إِذَا نَهَضَ ، وَلَا تُفْضِينَ لَهُ سِرّاً ، وَلَا تَغْتَابنَ عِنْدهُ أَحَداً ، وَلَا تَطَلَّبْنَ عَثْرَتُهُ ، وَإِنْ زَلَّ قَبِلْتَ مَعْذِرَتُهُ ، وَعَلَيْكَ أَنْ تُوَقِّرَهُ وَتُعَظِّمَهُ لِلَّهِ مَا دَامَ يَحْفَظُ أَمْرَ اَللَّهِ ، وَلَا تَجْلِسَ أَمَامَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ سَبَقَتْ اَلْقَوْمَ إِلَى خِدْمَتِهِ " .
﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ بَيَانُ اَلْغَامِضِ مِنْ اَلْأَحْوَالِ يَكُونُ فِي اَلْوَقْتِ اَلْمُنَاسِبِ لِيَكُونَ لِلنُّفُوسِ أَبْهَجَ.
أَرَادَ الْخَضِرُ أَنْ يَتَوَلَّى هُوَ بَيَانَ أَعْمَالِهِ فِي الْأَوَانِ الَّذِي يَرَاهُ مُنَاسِبًا؛ لِيَكُونَ الْبَيَانُ أَبْسَطَ، وَالْإِقْبَالُ أَبْهَجَ.
﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ﴾ يَعْنِي بَيَانُ مَاخَفِي وَكَشَفَاً لِلْغَوَامِضِ مِنْ اَلْجُهْدِ لِلدِّينِ .
بَدَأَ الدَّرْسُ الْعِلْمِيُّ الْعَمَلِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾[الكهف: 69]
اَلدَّرْسُ اَلْعَمَلِيُّ اَلْأَوَّلُ . . . .