يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ (87)
﴿يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ يَعْنِي: أَعْمَلُوا حَوَاسَّكُمْ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ طَاقَةٍ كَيْ تَصِلُوا إِلَى الحَقِيقَةِ.
عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ كُلَّمَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَامَ وَصَلَّى".
﴿يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ تَفَحَّصُوا مِنْ حَالِهِمَا وَتَطَلَّبُوا خَبَرَهُمَا.
تَحَرَّكُوا وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ.
﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ أَيْ: بِجَمِيعِ جُهْدِكُمْ ﴿مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾.
لَمْ يَقُولُوا لَهُ: يُوسُفُ مَنْ؟ لَقَدْ سَكَتُوا، اعْتَرَفُوا ضِمْنِيًّا بَلْ وَبِصَرَاحَةٍ بِأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي دَعْوَى الذِّئْبِ.
أَبْدَوْا اسْتِعْدَادَهُمْ لِلتَّضْحِيَةِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَبِيهِمْ بَصَرُهُ.
الآنَ هُمْ فِي شِدَّةِ الانْكِسَارِ، وَهَذِهِ هِيَ اللَّحَظَاتُ الَّتِي كَانَ يَرُومُهَا يُوسُفُ.
هَا هُمُ الكَوَاكِبُ هُمْ أَصْحَابُ المُشْكِلَةِ ﴿فَتَحَسَّسُوا...﴾ ﴿وَلَا تَيْأَسُوا﴾!!
هُمْ كَانُوا سَبَبَ المُشْكِلَةِ!! الآنَ اذْهَبُوا وَتَجَوَّلُوا لِحَلِّ المُشْكِلَةِ، هَكَذَا يَفْعَلُ أَهْلُ الجُهْدِ، يَجْعَلُونَ مَنْ كَانَ سَبَبًا لِلمُشْكِلَةِ يَتَجَوَّلُ بِنَفْسِهِ لِحَلِّ المُشْكِلَةِ.
اسْتَعْمَلَهُمْ لِحَلِّ المُشْكِلَةِ.
اسْتِعْمَالُ أَهْلِ الدَّعْوَةِ المُجْرِمِينَ لِيَصْلُحُوا وَيُصْلِحُوا.
هَكَذَا فِي جُهْدِ الدِّينِ يَتِمُّ اسْتِخْدَامُ الَّذِينَ كَانُوا هُمْ سَبَبًا فِي مَشَاكِلِ الأُمَّةِ لِيَكُونُوا هُمْ سَبَبًا فِي حَلِّهَا بَعْدَ الهِدَايَةِ.
دَعْوَةُ الأَنْبِيَاءِ دَعْوَةٌ وَاحِدَةٌ وَنَهْجٌ وَاحِدٌ ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾.
اليَأْسُ نَوْعٌ مِنَ الكُفْرِ، الشَّيْطَانُ يَجْتَهِدُ فِي إِدْخَالِ اليَأْسِ فِي القَلْبِ حَتَّى يَتْرُكَ الإِنْسَانُ العَمَلَ وَيَسُوءَ ظَنُّهُ بِاللَّهِ.
﴿وَلَا تَيْأَسُوا﴾ أَيْ: تَقْنَطُوا ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَرَجِهِ وَتَيْسِيرِهِ وَلُطْفِهِ فِي جَمْعِ الشَّتَاتِ وَتَيْسِيرِ المُرَادِ.
اللَّهُ إِذَا شَاءَ تَفْرِيجَ كُرْبَةٍ هَيَّأَ لَهَا أَسْبَابَهَا.
لِأَوَّلِ مَرَّةٍ اسْتَخْدَمَهُمْ فَقَالَ: ﴿فَتَحَسَّسُوا...﴾.
التَّحَسُّسُ وَالتَّجَسُّسُ...!! التَّحَسُّسُ: تَتَبُّعُ أَخْبَارِ النَّاسِ بِالخَيْرِ ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾، التَّجَسُّسُ: مَعْرِفَةُ أَسْرَارِ النَّاسِ بِالشَّرِّ ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.
فِي هَذِهِ الآيَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُعَالَجَةَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ وَحَلَّ المُشْكِلَاتِ يَحْتَاجُ إِلَى رِفْقٍ وَأَنَاةٍ وَبُعْدِ نَظَرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الكَهْفِ: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.
وَالِدُهُمْ يَرَى أَنَّ وَرَاءَ هَذَا العَزِيزِ شَأْنًا عَظِيمًا حَوْلَ يُوسُفَ فَبَعَثَهُمْ إِلَيْهِ.
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ المُؤْمِنُ لَا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَتِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَحْوَالِ.
لَقَدْ بَقِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبْعِ ضَرْبَةُ فَأْسٍ.