وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)
امْتُحِنَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِفَقْدِ ابْنَيْهِ وَبَصَرِهِ وَشَتَاتِ بَنِيهِ، وَامْتُحِنَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْجُبِّ وَالْبَيْعِ وَامْرَأَةِ الْعَزِيزِ وَفَقْدِ الأَبِ وَالْإِخْوَةِ وَالسِّجْنِ، ثُمَّ امْتَحَنَهُمْ جَمِيعًا بِالضُّرِّ وَقِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، ثُمَّ تَدَارَكَهُمُ اللَّهُ بِإِلْفِهِمْ وَجَمْعِهِمْ كُلِّهِمْ، وَرَدَّ بَصَرَ أَبِيهِمْ وَائْتِلَافَ قُلُوبِهِمْ وَرَفْعَ مَا نَزَغَ بِهِ الشَّيْطَانُ.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ هَذَا فِعْلُ يُوسُفَ.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى سَدَّةِ الْحُكْمِ وَكُرْسِيِّ الْوِزَارَةِ.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِمْ بِمِصْرَ ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ عَلَى السَّرِيرِ.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قِيلَ: إِنَّهُمْ سَجَدُوا لِلَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ يُوسُفَ عَلَى الْحَالِ السَّارَّةِ.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ مَطْلَبٌ رَبَّانِيٌّ.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ الْخُرُورُ: الْهَوِيُّ وَالسُّقُوطُ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى الْأَرْضِ.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ الْمُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وَأَعْطَى اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ السَّلَامَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَرَامَةً مِنْهُ تَعَالَى عَجَّلَهَا لَهُمْ.
قِيلَ: مَا كَانَ ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاءً بِالرَّأْسِ، وَقِيلَ: كَانَ كَالرُّكُوعِ الْبَالِغِ دُونَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ.
نُسِبَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَعْنَى: خَرُّوا لِأَجْلِ يُوسُفَ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا عَلَى مَا أَوْزَعَهُمْ مِنَ النِّعْمَةِ.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ كَانَ السُّجُودُ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ائْتَمَرُوا لَهُ بِالسُّجُودِ بَعْدَ أَنْ أَحَبُّوهُ ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾.
كَانَتِ السَّجْدَةُ عِنْدَهُمْ جَارِيَةً مَجْرَى التَّحِيَّةِ وَالتَّكْرِمَةِ، كَالْقِيَامِ وَالْمُصَافَحَةِ وَتَقْبِيلِ الْيَدِ.
رَجُلٌ وَاحِدٌ كَسَبَ مَحَبَّةَ شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ.
جَمِيعُ أَهْلِ مِصْرَ أَحَبُّوهُ بِسَبَبِ صِفَاتِهِ وَتَلَطُّفِهِ مَعَهُمْ.
حَسَدُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَالْآنَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ.
مَنْ سَجَدُوا لِيُوسُفَ إِنَّمَا سَجَدُوا بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ.
السُّجُودُ سُجُودُ تَكْرِيمٍ وَتَقْدِيرٍ لِيُوسُفَ وَعَرَفَانٍ بِالْفَضْلِ.
سُجُودُهُمْ تَحِيَّةٌ لَيْسَ سُجُودَ عِبَادَةٍ.
امْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّقْدِيرِ لَهُ.
عِنْدَمَا كَانَ طِفْلًا حَسَدُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ سِوَى حُبِّ وَالِدِهِ لَهُ.. وَالْآنَ أَهْلُ مِصْرَ كُلُّهُمْ يُحِبُّونَهُ، وَخَزَائِنُ مِصْرَ تَحْتَ يَدِهِ، وَمَعَ هَذَا لَا ذَرَّةَ حِقْدٍ.
مَلْحَمَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ.. بِهَذَا الْعَفْوِ أَصْبَحَ إِخْوَةُ يُوسُفَ أَنْبِيَاءَ.
أَدَبُ الْأَنْبِيَاءِ هُوَ كَمَالُ الْأَدَبِ.
أَصْلَحَ اللَّهُ حَالَهُمْ مِنْ بَعْدُ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَسَمَّاهُمُ الْأَسْبَاطَ (التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ).
تَأَلَّقَتْ نُفُوسُ الْإِخْوَةِ وَصَفَتْ نَحْوَ أَبِيهِمْ وَأَخِيهِمْ يُوسُفَ، وَانْتَقَلُوا مِنْ مُنْتَهَى التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ إِلَى مُنْتَهَى التَّوَاضُعِ لَهُ وَالْهَيْبَةِ مِنْهُ.
كُلُّ مَا سَبَقَ كَانَ سُلَّمًا لِلْمَجْدِ وَالتَّمْكِينِ.
اكْتَمَلَ نُورُ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ.
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ جَمَعَ اللَّهُ الْأَسْرَةَ بَعْدَ شَتَاتٍ.
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أَيْ: صَحِيحَةً صِدْقًا، يَذْكُرُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ.
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ بَيْنَ خُرُوجِ يُوسُفَ مِنْ حِجْرِ أَبِيهِ إِلَى يَوْمِ الْتَقَى مَعَهُ ثَمَانُونَ عَامًا، لَا تَجِفُّ عَيْنَا يَعْقُوبَ، وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ يَعْقُوبَ.
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ لَمْ يَقُلْ «مِنَ الْجُبِّ»، حِفْظًا لِلْأَدَبِ مَعَ إِخْوَتِهِ، لَا يُرِيدُ أَنْ يُخْجِلَهُمْ بِمَا جَرَى فِي الْجُبِّ.
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا أَنَّهُمْ سَجَدُوا لَهُ، فَصَارَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا حَقًّا بِوُقُوعِ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ.
مَعْنَى ﴿أَحْسَنَ بِي﴾: أَحْسَنَ إِلَيَّ.
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾، الْبَدْوُ: ضِدُّ الْحَضَرِ.
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾، وَلَمْ يَقُلْ «رَفَعَ عَنْكُمْ جَهْدَ الْجُوعِ وَالْحَاجَةِ» أَدَبًا مَعَهُمْ.
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ يُوسُفُ وَإِخْوَتُهُ عَاشُوا فِي مُجْتَمَعَاتٍ عِنْدَ الْبَدْوِ.
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ الِانْتِقَالُ مِنْ حَيَاةِ الْبَادِيَةِ نِعْمَةٌ.
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ كُنْتُمْ رُعَاةَ غَنَمٍ وَإِبِلٍ وَالْآنَ تَسْكُنُونَ الْقُصُورَ.
ذَكَرَ ﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾ إِظْهَارٌ لِتَمَامِ النِّعْمَةِ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ارْتِقَاءٌ فِي الْحَضَارَةِ.
يُرْوَى أَنَّ مَسْكَنَ يَعْقُوبَ كَانَ بِأَرْضِ كَنْعَانَ، وَكَانُوا أَهْلَ مَوَاشٍ وَبَرِّيَّةٍ.
كَانَ إِخْوَةُ يُوسُفَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْبَادِيَةِ فِي أَوْقَاتٍ دُونَ أَوْقَاتٍ، وَحِينَ قَصَدُوا إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمِصْرَ كَانَ ابْتِدَاءَ قَصْدِهِمْ مِنَ الْبَدْوِ.
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ الَّذِي أَخْرَجَ يُوسُفَ مِنَ السِّجْنِ هُوَ اللَّهُ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِمْ مِنَ الْبَدْوِ هُوَ اللَّهُ.
نَسَبَ الْفَضْلَ لِصَاحِبِ الْفَضْلِ جَلَّ جَلَالُهُ.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ قَالَ ذَلِكَ فِي حَضْرَةِ إِخْوَتِهِ حَتَّى لَا يُثِيرَ فِي نُفُوسِهِمْ أَيَّةَ غيْرَةٍ، أَوْ يَتْرُكَ لِلشَّيْطَانِ أَيَّةَ وَسْوَسَةٍ.
لَمَّا عَفَا عَنْ إِخْوَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ الْجُبِّ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّوْبِيخِ.
مَا شَعَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْعَدَاءِ ضِدَّ إِخْوَتِهِ، وَأَلْقَى بِالْمَسْؤُولِيَّةِ عَلَى الشَّيْطَانِ.
لَقَدْ صَارَتِ الرُّؤْيَا حَقِيقَةً.. وَلَاحَظَ التَّلَطُّفَ مِنْ يُوسُفَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ فِعْلَةِ إِخْوَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ﴾!!
لَمْ يَنْسِبِ الْفِعْلَ إِلَيْهِمْ!
لَمْ يَشَأْ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِأَيَّةِ إِسَاءَةٍ.. وَإِنَّمَا هِيَ نَزْغَةُ شَيْطَانٍ وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ.
لَا يُرِيدُ أَنْ يَجْرَحَ مَشَاعِرَ إِخْوَتِهِ الَّذِينَ كَانُوا سَبَبًا فِي كُلِّ مَا أَصَابَهُ.
لَا يُرِيدُ أَنْ يُكَدِّرَ أَهْلَهُ بِذِكْرِ الْحَوَادِثِ الْمُثِيرَةِ لِلْأَلَمِ، وَهُمْ فِي وَقْتِ صَفَائِهِمْ وَغِبْطَتِهِمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ بِهِ.
كَيْدُ الشَّيْطَانِ فِي تَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ وَتَمْزِيقِ الْجُهْدِ.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ حَتَّى يُطَيِّبَ قَلْبَ وَالِدِهِ عَلَى إِخْوَتِهِ، بَيَّنَ أَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ السَّبَبُ.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ﴾ أَيْ: أَفْسَدَ وَحَرَّشَ ﴿الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ بِالْحَسَدِ.
ذَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ السِّجْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ الْجُبِّ لِأَنَّ مِحْنَةَ السِّجْنِ وَمُصِيبَتَهُ كَانَتْ أَعْظَمَ لِطُولِ مُدَّتِهَا، فَإِنَّهُ لَبِثَ فِيهِ بِضْعَ سَنِينَ، وَمَا لَبِثَ فِي الْجُبِّ إِلَّا مُدَّةً يَسِيرَةً.
يُوسُفُ حُجِبَتِ الدُّنْيَا كُلَّهَا عَنْهُ بِسَبَبِ الدِّينِ... يُوسُفُ أُعْطِيَ الدُّنْيَا كُلَّهَا لَهُ بِسَبَبِ الدِّينِ.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ فِي الْقِتَالِ تُعَادِي الْإِنْسَانَ، وَفِي الدَّعْوَةِ تُعَادِي الشَّيْطَانَ.
لَمَّا قَدِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى يُوسُفَ بِمِصْرَ، أَقَامَ مَعَهُ فِي أَهْنَأَ عَيْشٍ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَى يُوسُفَ أَنْ يَحْمِلَهُ إِلَى الشَّامِ فَيَدْفِنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: لَطِيفٌ بِيُوسُفَ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ السِّجْنِ، وَجَاءَ بِأَهْلِهِ مِنَ الْبَدْوِ، وَنَزَعَ عَنْ يُوسُفَ نَزْغَ الشَّيْطَانِ.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ بُعْدُهُ عَنْ وَالِدِهِ لُطْفٌ، رَمْيُهُ فِي الْبِئْرِ لُطْفٌ، شِرَاؤُهُ بِدَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ لُطْفٌ، فِتْنَةُ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ لُطْفٌ، وَسِجْنُهُ لُطْفٌ.. لِيَكُونَ بَعْدَهَا مَلِكًا عَلَى مِصْرَ، فَلَوْلَا هَذِهِ الِابْتِلَاءَاتُ الَّتِي مَرَّتْ بِهِ لَمَا نَالَ هَذَا التَّمْكِينَ الْعَظِيمَ "أَيَضِيقُ صَدْرُكَ لِلْبَلَاءِ بَعْدَ هَذَا؟!"
فِي طَيَّاتِ الْمِحَنِ مِنَحٌ، وَفِي ثَنَايَا الْبَلَايَا عَطَايَا.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَمْرًا قَيَّضَ لَهُ أَسْبَابًا وَيَسَّرَهُ وَقَدَّرَهُ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَمَا يَخْتَارُهُ وَيُرِيدُهُ.
لَا تَنْظُرُوا إِلَى مَرَارَةِ الِابْتِلَاءِ.. وَانْظُرُوا إِلَى جَمَالِ الْمُبْتَلِي.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ كُلُّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ (أَرْبَعُونَ سَنَةً) يَقُولُ: كُلُّهَا لَطْفٌ مِنَ اللَّهِ.
لُطْفُهُ تَعَالَى بِعِبَادِهِ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ فَوْقَ الْكِفَايَةِ وَكَلَّفَهُمْ دُونَ الطَّاقَةِ.
حَقِيقَةُ اللَّطِيفِ: الَّذِي يُوصِلُ الْإِحْسَانَ إِلَى غَيْرِهِ بِالرِّفْقِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ بِكُلِّ مَا قَدَّرَ مِنْ عَمَلِ الْحَكِيمِ فِي بُلُوغِ مَشِيئَتِهِ.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ غَالِبُ الْآيَاتِ تُخْتَمُ بِالْخَاتِمَةِ الْإِيمَانِيَّةِ الَّتِي تَرُدُّ كُلَّ حَدَثٍ إِلَى اللَّهِ.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بِمَا يَنْبَغِي ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي أَعْمَالِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
اللَّطِيفُ هُنَا بِمَعْنَى الْعَالِمِ بِخَفَايَا الْأُمُورِ، الْمُدَبِّرِ لَهَا وَالْمُسَهِّلِ لِصِعَابِهَا.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ الْمُرَادُ: مُدَبِّرٌ لِمَا يَشَاءُ.
﴿الْحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ فِي وَقْتِهِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ تَوَافُقُ الْبَدْءِ وَالْخِتَامِ حَتَّى فِي الْعِبَارَاتِ.