وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (34)
كَانَ هُنَاكَ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ وَفِتْنَةٌ لِنَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي شَأْنٍ يَتَعَلَّقُ بِتَصَرُّفَاتِهِ فِي الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ، كَمَا يَبْتَلِي اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ لِيُوَجِّهَهُمْ وَيُرْشِدَهُمْ، وَيُبْعِدَ خُطَاهُمْ عَنِ الزَّلَلِ، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ أَنَابَ إِلَى رَبِّهِ وَرَجَعَ، وَطَلَبَ الْمَغْفِرَةَ.
اللَّهُ يَمْتَحِنُ وَيُمَحِّصُ أَنْبِيَاءَهُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ لِوَحْيِهِ، فَلَا تَأْمَنْ أَيُّهَا الْعَالِمُ وَالدَّاعِيَةُ بَعْضَ مَا يَعْرِضُ لَكَ، فَلَعَلَّهُ فِتْنَةٌ وَاخْتِبَارٌ.
أَنْوَاعٌ مِنَ الِابْتِلَاءِ مُتَعَدِّدَةٌ... مَعَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمُ الْمُلْكَ وَأَعْطَاهُمُ التَّمْكِينَ إِلَّا أَنَّ الِابْتِلَاءَ سُنَّةٌ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَكُلُّنَا مُبْتَلًى.
الْبَلَاءُ عَلَى نَوْعَيْنِ: بَلَاءٌ بِالْعَطَاءِ وَبَلَاءٌ بِالْمَنْعِ، وَالْبَلَاءُ فِي حَالَةِ الْعَطَاءِ أَشَدُّ.
امْتَحَنَهُ بِالِانْشِغَالِ عَنْ جُهْدِ الدِّينِ لِسَوِيعَاتٍ.
هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ الْفِتْنَةِ الَّتِي فُتِنَ بِهَا سُلَيْمَانُ، وَهُوَ اشْتِغَالُهُ بِهَذَا الْمَتَاعِ مِنَ الْخَيْلِ، وَصَرْفُ الطَّاقَاتِ إِلَى أَشْيَاءِ الدُّنْيَا.
﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾... أَيْ وَأَلْقَيْنَاهُ جَسَدًا لَا يَسْتَطِيعُ تَدْبِيرَ الْأُمُورِ.
صَارَ جَسَدُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُلْقًى عَلَى الْكُرْسِيِّ، وَقَدْ سَلَبَ اللَّهُ مِنْهُ التَّفْكِيرَ وَالتَّدْبِيرَ وَالْإِرَادَةَ، فَصَارَ جَسَدًا بِلَا رُوحٍ.
﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾... فِيهَا اتِّخَاذُ الْكُرْسِيِّ... وَأَنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ كُرْسِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ كَمَا يَجْلِسُ الْمُلُوكُ، لِأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ.
فَقَطْ أَنْجَبَتْ وَاحِدًا مِنَ الْمِائَةِ شِقَّ "سِقْطٍ" لَيْسَ بِهِ رُوحٌ.
فَتَنَهُ رَبُّهُ بِهَذَا الْمَتَاعِ الْكَثِيرِ الَّذِي سَاقَهُ إِلَيْهِ... هَذَا الْمَتَاعُ كَانَ عِبْئًا ثَقِيلًا عَلَى ﴿كُرْسِيِّهِ﴾ أَيْ سُلْطَانِهِ.
كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَكَانُ النُّبُوَّةِ فِيهِ أَبْرَزَ وَأَظْهَرَ مِنْ مَقَامِ الْمُلْكِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَلِمَةِ ﴿جَسَدًا﴾ الَّذِي يُمَثِّلُ الْمَتَاعَ الدُّنْيَوِيَّ الَّذِي يَضُمُّهُ هَذَا الْمُلْكُ.
اللَّهُ قَادِرٌ أَنْ يُقْعِدَكَ عَلَى كُرْسِيِّكَ جَسَدًا لَا حَرَكَةَ فِيهِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ... وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مُرَادَ اللَّهِ... الْأَصْلُ إِقَامَةُ الدِّينِ فِي الْمَعْمُورَةِ.
الْأُمَّةُ أَصَابَهَا شَلَلٌ كُلِّيٌّ أَقْعَدَهَا جَسَدًا لَا حَرَكَةَ فِيهِ وَلَا إِرَادَةٍ.
إِذَا دَاخَلَكَ شَيْءٌ مِنَ الْفَخْرِ وَالزُّهْوِ، فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَلَبَكَ الْقُدْرَةَ وَالْحَرَكَةَ وَالْجُهْدَ.
أَنْكَرَ مَقَامَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى هَذَا الْكُرْسِيِّ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي انْفَصَلَ فِيهَا هُنَيْهَاتٍ عَنْ جُهْدِ الدِّينِ.
﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾... فَرَجَعَ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ أَنْ تَنَبَّهَ إِلَى هَذَا الِامْتِحَانِ.
فَشَغَلَ سُلَيْمَانَ وَقْتًا مَا بِهَذَا الْمَتَاعِ أَيْ (الْجَسَدِ) الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾.
﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، وَصَحَّحَ هَذَا الْوَضْعَ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ «كُرْسِيَّهُ».
فَأَفْسَحَ لِلنُّبُوَّةِ فِيهِ مَكَانَهَا، وَأَعْطَاهَا كُلَّ حَقِّهَا.
عَلِمَ أَنَّ فِتْنَتَهُ هِيَ عَدَمُ قَوْلِ "إِنْ شَاءَ اللَّهُ" فَأَنَابَ.
الْآنَ طَلَبَ الطَّلَبَ الصَّحِيحَ بِالطَّرِيقِ الصَّحِيحِ... إِصْرَارٌ: مَا هُوَ الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ؟ الدَّعْوَةُ وَالدُّعَاءُ.
يُرِيدُ مُلْكًا، يُرِيدُ فُرْسَانًا