فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى (9)
أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِجُهْدِ التَّذْكِيرِ: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.
أَمْرٌ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ.
أَنْتَ مَأْمُورٌ بِالتَّذْكِيرِ: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَوْ لَمْ تَنْفَعْ!
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، أَيْ: التَّبْلِيغِ، أَيْ: بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْجُهْدِ.
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَيْ: اشْتَغِلْ بِالدَّعْوَةِ فَهِيَ وَظِيفَتُكَ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ يَعْنِي: ذَكِّرِ النَّاسَ، ذَكِّرْهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ، ذَكِّرْهُمْ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، ذَكِّرْهُمْ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
التَّذْكِيرُ: تَبْلِيغُ الذِّكْرِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ النَّاسَ كَافَّةً، فَالدَّعْوَةُ عَامَّةٌ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ أَيْ فَذَكِّرْ بَعْدَ مَا اسْتَقَامَ وَتَهَيَّأَ لَكَ الْأَمْرُ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يَنْفَعُهُ وَيَلِيقُ بِهِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ حَيْثُمَا وَجَدْتَ فُرْصَةً لِلتَّذْكِيرِ، وَمَنْفَذًا لِلْقُلُوبِ، وَوَسِيلَةً لِلْبَلَاغِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ أَيْ: دُمْ عَلَى تَذْكِيرِكَ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ عِظْ بِالْقُرْآنِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ تَكْمِيلُ غَيْرِكَ تَكْمِيلٌ لِنَفْسِكَ.
الَّذِي يُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ حَيَاتِهِ الْمُنْكَرَاتُ، هُوَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الطَّاعَاتِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ أَيْ: عِبَادَ اللَّهِ بِعَظَمَتِهِ، وَعِظْهُمْ وَحَذِّرْهُمْ مِنْ عُقُوبَتِهِ: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.
كَانَ ﷺ يُذَكِّرُهُمْ وَيَسْتَفْرِغُ فِيهِ جُهْدَهُ حِرْصًا عَلَى إِيمَانِهِمْ، وَكَانَ لَا يَزِيدُ ذَلِكَ بَعْضَهُمْ إِلَّا كُفْرًا وَعِنَادًا.
﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ النَّفْعُ مُحْتَمَلًا وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُعَانِدًا.
﴿فَذَكِّرْ﴾ النَّاسَ حَسْبَمَا يَسَّرْنَاكَ لَهُ، بِمَا يُوحَى إِلَيْكَ، وَاهْدِهِمْ إِلَى مَا فِيهِ سَعَادَتُهُمْ الْأَبَدِيَّةَ، كَمَا كُنْتَ تَفْعَلُ.
التَّذْكِيرُ يَقْتَضِي تَكْمِيلَ النَّاقِصِينَ وَهِدَايَةَ الْجَاهِلِينَ.
يَسَّرَ اللَّهُ لَكَ جُهْدَ نَبِيِّهِ ﷺ غَايَةَ التَّيْسِيرِ، وَطَلَبَ مِنْكَ التَّذْكِيرَ لِكُلِّ أَحَدٍ، نَجَاةً لِنَفْسِكَ وَتَكْمِيلًا لِغَيْرِكَ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَزَالُ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنِ اشْتَدَّ الْأَمْرُ، وَلَا يُحَقِّرُ أَحَدًا أَنْ يَدْعُوَهُ، وَلَا يَيْأَسُ مِنْ أَحَدٍ وَإِنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: التَّذْكِيرُ وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْ.
الذِّكْرَى نَافِعَةٌ بِكُلِّ حَالٍ.
وَظِيفَتُهُ الَّتِي جَاءَ لِيُؤَدِّيَهَا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
جَاءَ ﷺ رَحْمَةً لِلْبَشَرِيَّةِ.
جَاءَ مُيَسِّرًا، يَضَعُ عَنْ كَوَاهِلِ النَّاسِ الْأَثْقَالَ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ، حِينَمَا شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
لَقَدْ أَقْرَأَهُ رَبُّهُ فَلَا يَنْسَى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وَيَسَّرَهُ لِلْيُسْرَى، لِيَنْهَضَ بِالْأَمَانَةِ الْكُبْرَى، لِيُذَكِّرَ، فَلِهَذَا أُعِدَّ، وَلِهَذَا بُشِّرَ.
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: لَنْ يَخْلُوَ جِيلٌ وَلَنْ تَخْلُوَ أَرْضٌ مِمَّنْ يَسْتَمِعُ وَيَنْتَفِعُ، مَهْمَا فَسَدَ النَّاسُ وَقَسَتْ الْقُلُوبُ.
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَيْ: كَمِّلِ الْخَلْقَ بِالدَّعْوَةِ.
التَّذْكِيرُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَا يَنْفَعُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ، بَلْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ الِاسْتِعْدَادِ.
النَّفْعُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ الِاسْتِعْدَادِ.
﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّذْكِيرَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ الْمُذَكَّرِينَ.
حِينَمَا نَتَأَمَّلُ هَذَا التَّرْتِيبَ فِي الْآيَاتِ، نُدْرِكُ عَظَمَةَ الرِّسَالَةِ وَضَخَامَةَ الْأَمَانَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ لِلنُّهُوضِ بِهَا هَذَا التَّيْسِيرَ لِلْيُسْرَى، وَذَلِكَ الْإِقْرَاءَ وَالْحِفْظَ وَتَكَفُّلَ اللَّهِ بِهِمَا، كَيْ يَنْهَضَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِبْءِ التَّذْكِيرِ، وَهُوَ مُزَوَّدٌ بِهَذَا الزَّادِ الْكَبِيرِ.
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ مِنْ هَاهُنَا يُؤْخَذُ الْأَدَبُ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ، فَلَا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ». وَقَالَ: «حَدِّثِ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ!»
وَرَدَ فِي "الْأَعْلَى" قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، وَفِي "الْغَاشِيَةِ" قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾، لِتَرْسِيخِ الْيَقِينِ وَلِتَذْكِيرِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، لِيُذَكِّرُوا الْبَشَرَ بِالْمِيثَاقِ وَالْعَهْدِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي ظُهْرِ أَبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.