يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: تَوَدَّدَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ بِصَدَدِ اغْتِنَامِ آثَارِهِ وَاقْتِبَاسِ أَنْوَارِهِ.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: يَعْرِضُ عَلَيْهِ حَاجَتَهُ بِأَدَبٍ رَفِيعٍ فِي الْخِطَابِ وَمَدْخَلٍ مُوَفَّقٍ.
﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: زِيَادَةٌ فِي التَّحَبُّبِ... قُوَّةُ الدَّعْوَةِ بِالصِّفَاتِ.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: وَلَمْ يَقُلْ "أَيُّهَا السَّجِينُ"، فَفِي ذَلِكَ تَأَدُّبٌ عَجِيبٌ مِنَ السَّاقِي!
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يُعَظِّمَ الْمُفْتِي.
كُنْ سَخِيًّا بِأَلْقَابِ التَّكْرِيمِ مَعَ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا.
عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ - فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ - أَنْ يَتَأَدَّبَ مَعَ الْعَالِمِ أَوْ مَعَ أَهْلِ الْفَضْلِ عُمُومًا.
"الصِّدِّيقُ": هَذِهِ الصِّفَةُ مِنَ الْمَعَانِيَ الْجَلِيلَةِ، وَلَا تَجْتَمِعُ إِلَّا لِمَنْ قَوِيَ صِدْقُهُ فِي الْوَفَاءِ بِجُهْدِ الدِّينِ.
"الصِّدِّيقُ": هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَيَتَّبِعُهُ قَوْلًا وَعَمَلًا.
"الصِّدِّيقُ": مَنْ تَجَاوَزَ صِدْقُهُ لِسَانَهُ إِلَى صِدْقِ أَفْعَالِهِ.
"الصِّدِّيقُ": مَنْ طَابَقَ قَوْلُهُ جُهْدَهُ.
"الصِّدِّيقُونَ" هُمُ الْمَرْتَبَةُ الَّتِي دُونَ الْأَنْبِيَاءِ.
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَظِّمَهُ وَأَنْ يُخَاطِبَهُ بِالْأَلْفَاظِ المُشْعِرَةِ بِالْإِجْلَالِ.
أَفْتِنَا دَخَلَ فِي المَوْضُوعِ مُبَاشَرَةً دُونَ مُقَدِّمَاتٍ.
جَاءَ السَّاقِي لِيُوسُفَ السَّجِينِ، وَمَا نَالَتِ السِّنُونَ مِنْ مَعْنَوِيَّاتِهِ شَيْئًا، بَلْ زَادَتْهُ حِكْمَةً وَحَنَكَةً وَتَجْرِبَةً رَبَّانِيَّةً فَرِيدَةً.
﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ هِيَ السُّنُونَ المُخَصَّبَاتُ.
﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ هِيَ السُّنُونَ المُجْدَبَاتُ.
﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾: آيَةٌ تُشِيرُ إِلَى سَبْعِ بَقَرَاتٍ هَزِيلَاتٍ، هِيَ السُّنُونَ المُجْدَبَاتُ: أَيِ السَّنَوَاتُ القَاحِلَةُ الَّتِي تَعَانِي مِنَ الجَفَافِ وَالفَقْرِ.
﴿وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ وَالخُضْرُ الخِصْبُ، وَاليَابِسَاتُ هِيَ الجَدْبُ.
﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ...﴾
السِّمَانُ فَسُنُونَ فِيهَا خِصْبٌ.
وَالْعِجَافُ فَسُنُونَ مُجْدِبَةٌ.
وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ هِيَ السُّنُونَ المَخَاصِيبُ تُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا وَزَرْعَهَا وَثِمَارَهَا.
وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ: المُحُولُ الجَدُوبُ لَا تُنْبِتُ شَيْئًا.
السُّنْبُلَاتُ الخُضْرُ رَمْزٌ لِطَعَامٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَكُلُّ سُنْبُلَةٍ رَمْزٌ لِطَعَامِ سَنَةٍ.
السُّنْبُلَاتُ اليَابِسَاتُ رَمْزٌ لِمَا يُدَّخَرُ، وَكَوْنُهَا سَبْعًا رَمْزٌ لِادِّخَارِهَا فِي سَبْعِ سِنِينَ.
﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أَرْجِعُ حَامِلًا الْإِجَابَةَ عَلَى المَسْأَلَةِ.
﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أَيْ إِلَى المَلِكِ وَأَهْلِ مَجْلِسِهِ وَمَنْ عِنْدَهُ، أَوْ إِلَى أَهْلِ البَلَدِ فَأُنَبِّئَهُمْ بِمَا أَفْتَيْتَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فَضْلَكَ وَمَكَانَكَ فَتَتَخَلَّصَ مِنْهُ.
﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ بِمَا يَكْشِفُ لَهُمْ عَمَّا أَصَابَهُمْ مِنْ بَلْبَلَةٍ وَاضْطِرَابٍ.
﴿لَعَلِّي﴾...﴿لَعَلَّهُمْ﴾ تَرْدَادُ التَّرَجِّي يُنْبِئُكَ عَنْ حَالَتِهِ النَّفْسِيَّةِ وَتَعَلُّقِهِ بِيُوسُفَ وَتَعْلِيقِهِ عَلَيْهِ الْآمَالَ فِي تَعْبِيرِ هَذِهِ الرُّؤَى.
﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أَيْ أَرْجِعُ لِلْجَمَاهِيرِ.
النَّاسُ عَلَى مَشَاعِرِ مُلُوكِهِمْ... مَا يَهْتَمُّ بِهِ السُّلْطَانُ يَهْتَمُّ بِهِ كُلُّ النَّاسِ.
المَسْأَلَةُ عَمَّ خَبَرُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَأَضْحَتْ حَدِيثَ مَجَالِسِهِمْ وَمَحَلَّ اهْتِمَامِهِمْ.
نَفْعُ النَّاسِ خُلُقٌ كَرِيمٌ جُبِلَ عَلَيْهَا أَهْلُ الدَّعْوَةِ وَالْإِصْلَاحِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ العِلْمُ وَالتَّعْلِيمُ أَحَدُ أَهَمِّ وَظَائِفِ الدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الفَتْوَى عِلْمٌ نَافِعٌ يَبُثُّهُ العَالِمُ وَيُبَيِّنُهُ لِلنَّاسِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا، وَقِيلَ: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَنْزِلَتَكَ وَدَرَجَتَكَ فِي العِلْمِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بِمَكَانِكَ وَعِلْمِكَ فَيَكُونُ سَبَبَ خَلَاصِكَ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قَدْرَكَ وَفَضْلَكَ، وَأَنَّكَ الصِّدِّيقُ الَّذِي لَا يُتَّهَمُ، وَأَنَّهُمْ قَدِ اتَّهَمُوكَ ظُلْمًا، وَأَوْدَعُوكَ السِّجْنَ بِغَيْرِ جَرِيرَةٍ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فَإِنَّهُمْ مُتَحَيِّرُونَ فِي هَذِهِ الرُّؤْيَا فَعَبِّرْهَا ثُمَّ دَبِّرْهَا.
حَمَلَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا خَيْرًا عَظِيمًا لِجَمِيعِ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَاقَةٌ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ بِهَا.
كَانَتْ سَبَبًا فِي إِتَاحَةِ الفُرْصَةِ لَهُ لِنَشْرِ الدِّينِ وَالعِلْمِ وَالحِكْمَةِ وَالخَيْرِ بَيْنَ النَّاسِ.
كَانَتْ سَبَبًا فِي اجْتِمَاعِ إِخْوَةِ يُوسُفَ بِيُوسُفَ وَمِنْ ثَمَّ إِصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنْهُمْ.
حَافَظَ عَلَى مَصَالِحِ النَّاسِ وَأَمَّنَ لَهُمُ الطَّعَامَ وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ المَخْمَصَةِ (الأَمْنُ الغِذَائِيُّ).