فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (74)
قُبِلَ الْعُذْرُ وَاسْتُؤْنِفَتِ الرِّحْلَةُ مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ فِي الثَّانِيَةِ: ﴿فَانْطَلَقَا﴾: قُوَّةٌ وَسُرْعَةٌ وَحِرْصٌ عَلَى الْوَقْتِ.
اَلْجُهْدُ اَلثَّانِي مُخَالِفٌ لِلرُّوحِ . . مُخَالِفٌ لِلْمِزَاجِ اَلرُّوحِيِّ .
اَلْحَادِثَةُ اَلثَّانِيَةُ حِينُ يَتَّجِهُ اَلْخِضْر نَحْو اَلْأَجيَال اَلْقَادِمَة .
مِزَاجُ سَيِّدِنَا مُوسَى اَلرُّوحِيَّ اَلْإِصْلَاح ..!! . . . اَلتَّحَنُّنْ عَلَى اَلصِّغَارِ . . كُلُّ نَفْسِ طِفْلٍ زَكِيَّة.
﴿فَانْطَلَقَا﴾ فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ (غُلَاماً) يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَمَرَّ بِغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى غُلَامٍ حَسَنِ الْهَيْئَةِ وَضِيء الْوَجْهِ، فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ. وَقِيلَ: رَضَّهُ بِحَجَرٍ. وَقِيلَ: ذَبَحَهُ. وَقِيلَ: فَتَلَ عُنُقَهُ. وَقِيلَ: ضَرَبَ بِرَأْسِهِ الْحَائِطَ.
أَلْقَى اَلْخِضْر اَلدَّرْسِ اَلْعَمَلِيِّ اَلثَّانِي بِقَتْلِ اَلْغُلَام اَلَّذِي نَشَأَ فِي بِيئَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى مَا يَبْدُو تَعَرَّضَ لِأَحْوَالٍ أَوْرَثَتْهُ اَلطُّغْيَانَ وَالْعِصْيَانَ عَلَى أَوَامِرِ أَبَوَيْهِ وَالِاحْتِرَامِ لَهُمَا .
﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ﴾ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ اَلْغُلَامْ كَانَ بَالِغاً ، وَكَانَ يَقْطَعُ اَلطَّرِيقَ ، وَيُقْدِمُ عَلَى اَلْأَفْعَالِ اَلْمُنْكَرَةِ .
لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ كَيْفَ لَقِيَاه : هَلْ كَانَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، أَمْ كَانَ مُنْفَرِدًا؟ أَمْ هَلْ كَانَ مُسْلِمًا، أَمْ كَانَ كَافِرًا؟ أَمْ هَلْ كَانَ بَالِغًا، أَمْ صَغِيرًا؟ .
غُلَامٌ صَغِيرٌ يَلْعَبُ مَعَ اَلْغِلْمَانِ يَنْقَضُّ عَلَيْهِ اَلْخِضْر فَيَقْتُلُهُ بِقَطْعِ رَأْسِهِ . . مَنْظَرٌ كَادَ يَطِيرُ لَهُ عَقْلُ مُوسَى .
كَيْفِيَّةُ قَتْلِهِ ، هَلْ كَانَ بِحَزِ رَأْسِهِ ، أَوْ بِضَرْبِ رَأْسِهِ بِالْجِدَارِ ، أَوْ بِطَرِيقٍ آخَر ، فَلَيْسَ فِي لَفْظِ اَلْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءِ مِنْ هَذِهِ اَلْأَقْسَامِ .
﴿فَقَتَلَهُ﴾ تَعْقِيبٌ لِفِعْل ، فَكَانَتْ اَلْمُبَادَرَةُ بِقَتْلِ اَلْغُلَامِ عِنْدَ لِقَائِهِ أَسْرَعَ مِنْ اَلْمُبَادَرَةِ بِخَرْقِ اَلسَّفِينَةِ حِينَ رُكُوبِهَا .
﴿فَقَتَلَهُ﴾ ... قَدْ أَبَاحَ اَللَّهُ تَعَالَى لَهُ قَتْلُ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَوَلُّدَ اَلْمَفَاسِدِ مِنْهُ ، وَلَرُبَّمَا أَنَّهُ رَافَقَ أَهْلَ اَلسُّوءِ فَأَقَضَّ مَضَاجِعَ وَالِدَيْهِ بِشَكْلٍ لَاينْقَطِعْ ، وَخِيفَ أَنَّ يُنَغِّصَ عَلَيْهِمَا عَيْشُهُمَا فِي اَلْمُسْتَقْبَلِ .
قِيلَ: وَكَانَ هَذَا الْغُلَامُ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ .
حَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ صَاحِبِ «الْعُرْسِ وَالْعَرائِسِ» أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمَّا قَالَ لِلْخَضِرِ ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ غَضِبَ الْخَضِرُ، وَاقْتَلَعَ كَتِفَ الصَّبِيِّ الْأَيْسَرَ، وَقَشَّرَ اللَّحْمَ عَنْهُ، وَإِذَا فِي عَظْمِ كَتِفِهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أَبَداً.
﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ أَيْ طَاهِرَةً عَنْ اَلذَّنْبِ .
﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾.... الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الْبَرَاءَةُ حَتَّىٰ تَثْبُتَ الْإِدَانَةُ.
"هُنَا قَالَ ﴿نُكْرًا﴾... هَٰذَا الْفِعْلُ مُسْتَنْكَرٌ.
عِنْدَ قَتْلِ الْغُلَامِ ذُعِرَ مُوسَىٰ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَعْرَةً عَظِيمَةً، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ .
النُّكْرُ قِيلَ: أَقَلُّ مِنَ الْإِمْرِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَهْوَنُ مِنْ إِغْرَاقِ أَهْلِ السَّفِينَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: شَيْئاً أَنْكَرَ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ يُمْكِنُ سَدُّهُ، وَالْقَتْل لَا سَبِيلَ إِلَى تَدَارُكِ الْحَيَاةِ مَعَهُ.
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ..... وَصَفَ هَذَا اَلْفِعْلُ بِأَنَّهُ نُكُرْ . . أَيْ تُنْكِرُهُ اَلْعُقُولُ . . وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ اَلشَّيْءِ اَلْإمْرِ .
قَتْلُ الْغُلَامِ، إِزْهَاقُ الْأَرْوَاحِ مِنْ أَجْلِ الدِّينِ، الدِّينُ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
رَأَى فِي قَتْلِ اَلْغُلَامِ أَنَّ بُكَاءَ سَاعَةٍ أَفْضَلَ مِنْ بُكَاءٍ طُولَ اَلْحَيَاةِ وَبَعْدَ اَلْمَمَاتِ .
حَتَّى يَسْلَمَ الدِّينُ لَابُدَّ مِنْ إِزْهَاقِ الْأَرْوَاحِ.
بَقَاءُ الدِّينِ أَهَمُّ مِنْ بَقَاءِ الْأَجْسَادِ.
لَنَا أَنْ نَتَسَاءَلَ! كَيْفَ لِمُوسَى بِالْحُكْمِ مَعَ فَقْدِهِ لِلْحُجَّةِ أَنَّ هَذِهِ النَّفْسَ زَكِيَّةً: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، هُوَ لَا يَعْرِفُ عَنْهَا شَيْئاً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَابِقُ مَعْرِفَةٍ بِهَذِهِ النَّفْسِ.
وَقَعَ اَلْغُلَامْ فِي اَلْأَوْسَاخِ اَلْعَقَدِيَّةِ وَالْخُلُقِيَّةِ ، وَاسْتَحَقَّ أَنْ يُؤْثَرَ عَدَمُهُ عَلَى وُجُودِهِ .
أَكْبَرُ مُفْسِدٍ لِلْقَلْبِ اَلْخُلْطَةَ ، فَإِنَّ أَنْفَاسَ اَلْأَشْرَارِ تُسَوِّدُ اَلْقَلْبَ .
فِي قِصَّةِ اَلْغُلَامْ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِنْ مُرَافَقَةِ أَهْلِ اَلسُّوءِ .
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ... أَيْ أَمْرٌ يَفُوقُ الْوَصْفَ فِي عَجَبِهِ وَغَرَابَتِهِ.