إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)
زِينَةُ الْمُؤْمِنِ الْإِيمَانُ ....
هَوّن عَلَيْكَ فَإِنَّ مَا عَلَى اَلْأَرْضِ مِمَّا يَتَنَعَّمُونَ بِخَيْرَاتِهِ وَيَعْتَزُّونَ بِهِ إِنَّمَا أُرِيدُ لِحِكْمَةٍ ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾.
قَالَ اَلْقَاضِي : كَأَنَّهُ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدْ ، إِنِّي خَلَقَتْ اَلْأَرْضُ ، وَزِينَتُهَا ، وَأَخْرَجَتْ مِنْهَا أَنْوَاعَ اَلْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ ، فَالْمَقْصُودُ مِنْ خَلْقِهَا بِمَا فِيهَا مِنْ اَلْمَصَالِحِ اِبْتِلَاءُ اَلْخَلْقِ بِهَذِهِ اَلتَّكَالِيفِ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ يَكْفُرُونَ وَيَتَمَرَّدُونَ ، وَمَعَ ذَلِكَ ، فَلَا أَقْطَعُ عَنْهُمْ مَوَادَّ هَذِهِ اَلنِّعَمِ ، فَأَنْتَ أَيْضاً يَا مُحَمَّدْ لَا يَهُمُّكَ اَلْحُزْنُ ؛ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ إِلَى أَنْ تَتْرُكَ اَلِاشْتِغَالَ بِدَعْوَتِهِمْ إِلَى اَلدِّينِ .
وَرَدَتْ كَلِمَةُ (زِينَة) سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، وَجَاءَتْ قَبْلَ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَبَعْدَهَا، وَكَذَلِكَ بَعْدَ قِصَّةِ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ، وَلَهَا أَسْرَارٌ عَمِيقَةٌ.
وَرَدَ لَفْظُ الزِّينَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي السُّورَةِ، مِنْ أَصْلِ سَبْعِ مَرَّاتٍ تَكَرَّرَتْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ، هَذِهِ الزِّينَةُ مَصِيرُهَا الزَّوَالُ، هَذِهِ الزِّينَةُ سَتَتَلَاشَى وَتَضْمَحِلُّ، عِلَاجُ هَذِهِ الزِّينَةِ أَعْمَالُ الْكَهْفِ.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)﴾: اللهُ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةً وَمَقْصِداً، فَالشَّجَرَةُ زِينَةٌ، وَمَقْصِدُهَا الثَّمَرُ، وَاللِّبَاسُ زِينَةٌ، وَمَقْصِدُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَالْأَرْضُ زِينَةٌ، وَمَقْصِدُهَا عِمَارَتُهَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: لَقَدْ جَعَلَ اللهُ بِحِكْمَتِهِ كُلَّ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِمَّا تُحِبُّهُ النُّفُوسُ وَتَتَلَذَّذُ بِهِ وَتَسْتَمْتِعُ -إِنَّمَا هُوَ زِينَةً لِلْأَرْضِ وَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ، إِنَّمَا أَنْتَ زِينَتُكَ الْإِيمَانُ،﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾[الحجرات:7].
فِي السُّورَةِ ذِكْرُ افْتِتَانِ الْمُشْرِكِينَ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا.
أَصْحَابُ الْكَهْفِ لَمْ يَغْتَرُّوا بِزِينَةِ الشَّبَابِ، وَزِينَةِ الْأَهْلِ وَالْعَشِيرَة، وَزِينَةِ الْأُبَّهَةِ وَالسُّلْطَانِ، بَلْ تَرَكُوا كُلَّ هَذِهِ الْمَلَذَّاتِ، وَأَعْرَضُوا عَنْ جَمِيعِ الْإِغْرَاءَاتِ، وَهَجَرُوا الْأَهْلَ وَالْخِلَّانَ فِي سَبِيلِ اللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ.
تَرَكَ الْفِتْيَةُ كُلَّ زِينَةٍ مِنْ أَجْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِهِ.
يَنْجَحُ فِي الْاِخْتِبَارِ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ مَقْصِدَ وِجْهَتِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: الدُّنْيَا تَغُرُّ، وَتَضُرُّ، وتَمُرُّ.
اَلْبَعْضُ صَحِبَ اَلدُّنْيَا صُحْبَةَ اَلْبَهَائِمِ ، وَتَمَتَّعَ بِهَا تَمَتُّعُ اَلسَّوَائِمْ.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: زَيَّنَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأَرْضَ بِمَا أَنْبَتَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَشْجَارِ وَسَائِرِ النَّبَاتَاتِ، وَجَعَلَ مَا عَلَيْهَا نِعْمَةً لِلنَّاسِ، وَابْتِلَاءً لَهُمْ.
مِنْ أَسْبَابِ الصُّدُودِ وَالْإِعْرَاضِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾.
جَعَلَ جَلَّ وَعَلَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِيَبْتَلِيَ خَلْقَهُ، ثُمَّ يُهْلِكَ مَا عَلَيْهَا، وَيَجْعَلَهُ صَعِيدًا جُرُزًا -فِيهِ أَكْبَرُ وَاعِظٍ لِلنَّاسِ، وَأَعْظَمُ زَاجِرٍ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَإِيثَارِ الْفَانِي عَلَى الْبَاقِي، وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ مَاذَا تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النّسَاءِ».
كُلُّ مَا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَهَا " أَيْ لِلْأَرْضِ " وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا اَلْمُؤمِنُ فَزِينَتُكَ اَلْإِيمَانُ ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ .
فِي ثَنَايَا اَلسُّورَةِ تَهْوِينٌ مِنْ شَأْنِ زِينَةِ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا اَلْفَانِيَةِ . . لِمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ اَلثَّرَاءِ وَالْمُلْكِ وَالْقُوَّةِ وَالزُّخْرُفِ وَالزُّهْو .
اَلْأَشْيَاءُ وَالْأَسْبَابُ لَيْسَتْ لِلْمَنَافِعِ بَلْ لِلِاخْتِبَارِ .
اَلنَّاس خُلِقُوا لِإِحْسَانِ اَلْعَمَلِ .
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلَا﴾: اللهُ جَعَلَ الشَّهَوَاتِ وَالزِّينَةَ ابْتِلَاءً لِعِبَادِهِ.
الدُّنْيَا دَارُ ابْتِلَاءٍ وَامْتِحَانٍ: أَيُّ النَّاسِ أَحْسَنُ عَمَلاً، فَلَيْسُوا عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ فِي الِاسْتِقَامَةِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ هُوَ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَمَنْ هُوَ أَسْوَأُ عَمَلاً .
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلَا﴾: قَالَ الثَّوْرِيُّ: أَحْسَنُهُمْ عَمَلاً أَزْهَدُهُمْ فِيهَا. وَقَالَ سَهْلٌ: أَحْسَنُ تَوَكُّلاً عَلَيْنَا فِيهَا.
الِابْتِلَاءُ ثَمَنُ الْجَنَّةِ.. فَالْجَنَّةُ لَهَا ثَمَنٌ، وَهُوَ النَّجَاحُ فِي الِامْتِحَانِ.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾: أَيْ: نَخْتَبِرُهُمْ فِي أَعْمَالِ الْكَهْف .
وقوله: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ أيُّهُمْ أَتْرَكُ للدُّنيا.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: أحْسَنُهُمْ عَمَلاً أَصْدَقُهُمْ نِيَّةً، وَقِيلَ: أَكْثَرُهُمُ احْتِسَابًا، إِذْ لَا ثَوَابَ لِمَنْ لَا حِسْبَةَ لَهُ. وَقِيلَ: أَحْسَنُهُمْ عَمَلاً أَشَدُّهُمْ اسْتِصْغَاراً لِفِعْلِهِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتِحْقَاراً لِطَاعَتِهِ؛ لِشِدَّةِ رُؤْيَتِهِ لِتَقْصِيرِهِ فِيمَا يَعْمَلُهُ .